search
إصدارات
ارتباطات
السيد "طاغية"
10/1/2013

يقال إن الإنسان ابن بيئته، فما الذي يجعل بيئة ما تنتج أعداداً ليست بالقليلة من الأشخاص غير الأسوياء؟ سواء كانوا أفراداً عاديين ينحصر أثر سوئهم في محيط ضيّق، أو كانوا يمثلون النخبة الحاكمة التي تؤثر في مصائر البلاد والعباد.

فسواء كان نظام الحكم ديمقراطياً أم كان قائماً على أي أسس أخرى، فإن النظام في النهاية يعني أشخاصاً يشكّلونه: السلطة التشريعية تتشكّل من نواب، والسلطة القضائية من قضاة، وكذلك الحال بالنسبة للسلطة التنفيذية، وهؤلاء الأشخاص هم جميعاً أبناء بيئاتهم.

وبطبيعة الحال، فإنه في النظم غير الديمقراطية يكون تأثير الأشخاص السيئين أكبر ضرراً وأكثر فداحة، ومع هذا، فإن الأمور قد لا تكون مثالية حتى في النظم الديمقراطية. صحيح أن كل واحد منهم في هذه الحالة سيوضع في مكانه المناسب من الهيكل الديمقراطي، ولن يستطيع التحرك خارج إطاره المرسوم له بدقة القوانين، إلا أن أمامه هامش زمني يستطيع أن "يلعب" خلاله حتى يحين موعد الانتخابات التالية، كما أن تشكيل عصابة من المسؤولين المنتخبين ليس بالأمر النادر في ظلّ وجود المصالح المشتركة، خصوصاً إذا كانت الجهات الرقابية متواطئة أيضاً.   

يصعب تصوّر أن مستبداً واحداً، سواء جاء بالوراثة أو بانقلاب عسكري أو حتى بانتخابات شعبية نزيهة، يستطيع أخذ شعبه إلى الجحيم بمفرده، كما يصعب تصوّر أن الزمرة المحيطة به، والآلاف الذين يحيطون بدورهم بالحلقة الضيقة لذلك المستبد، تغيروا فجأة أو هبطوا من كوكب آخر، والأقرب للواقع والحقيقة، أن كل هؤلاء هم من أبناء البلد، وهم أيضاً أبناء بيئاتهم، حتى المستبد نفسه، ولم يتغيروا فور وصولهم إلى السُّلطة من كائنات وديعة تخاف الله وترعى مصالح شعبها إلى وحوش مفترسة تتكالب على المناصب وتسحق من يعترض طريقها. لا يمكن أن يحدث ذلك بلا مقدمات.  

المشكلة أننا لا نعرف إلا القليل عن المقدمات، ولا نستطيع تجلية حقيقة البيئة التي أنتجت مثل هؤلاء، خصوصاً أن الأمر يحتاج إلى العودة سنوات طويلة إلى الوراء، لنعرف كيف تربوا، وعلى أية قيم، وكيف كانت أحوال مجتمعاتهم حين كانوا يتشكلون ويترعرعون. ولأبراهام لنكولن مقولة معبّرة في هذا الصدد، إذ يقول: فلسفة فصول الدراسة في جيل ستكون فلسفة الحكومة في الجيل التالي.

والمشكلة المتفرعة من مشكلة المقدمات التي تنتهي بتلك النهايات، أنها تحتاج إلى علماء اجتماع شجعان وحكماء متبصرين، يدرسون مجتمعاتهم، ويصفون عللها وأمراضها بصدق وأمانة، إذ مثل تلك الدراسات تنبه إلى المخاطر "البشرية" القادمة، وتعلق الأجراس في رقاب الخيّرين من أهل البلد، ومن شأن ذلك الحيلولة دون تقدم من لا يستحقون إلى الصفوف الأولى.

لو كان لدينا مثل أولئك العلماء في بلادنا العربية، لربما تفادينا الكثير من المآسي التي تسببت بها ثلّة من الطغاة الذين وُلدوا من رحم بيئاتهم، وفي أقل تقدير، كنا سنعرف سبب ما يجري، فحين نعرف أي ثقافة رضعوها، وأي قيم تشرّبوها، سنعرف كيف افترسوا أبناء شعوبهم وعاثوا فساداً وخراباً في أوطانهم، بدلاً من التشويش على صوت الحقيقة بالهتاف ضد القوى الكبرى والمؤامرات الدولية أو حتى توجيه الشتائم وإرسال اللعنات لشخص واحد فقط يدعى السيد "طاغية".


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01