search
إصدارات
ارتباطات
الجد الممل والجد المُبهِج
23/3/2013

يسمع الجنين في بطن أمه من يقول له: استرخ تماماً واستسلم ليد القابلة لئلا تحطم عظامك الطرية فتعيش معطوباً طوال حياتك. وقبل الالتحاق بالمدرسة يقال له: تعلّم الحروف والأرقام لئلا تجلس مثل الأهبل في الصف الأول. وفي السنة الدراسية الأخيرة يقولون: كن مجتهداً لتضمن مقعداً جامعياً. وأيام الجامعة يقال: المؤهل العلمي يفتح الأبواب. وفي العمل يقال له: كلما كنت متميزاً، ارتقيت السلّم الوظيفي أسرع. وقبل إنجاب الأطفال يسمع من يقول له: أدّب عيالك في الصغر كيما تفرح بهم في الكبر.

مع اقتراب الواحد منا من سن الأربعين لن يسمع نصيحة للمرحلة القادمة اللهم إلا نصيحة التزوّد بالعمل الصالح للرحلة الطويلة، كأنه سيصل واحة النهاية من دون أن يقطع صحراء الشيخوخة، على الرغم من أن أكثر الناس يشيخون ثم يرحلون، والشيخوخة ليست بعيدة أصلاً، فغداً، بعد عشرة آلاف ليلة فقط، سيكون الأحياء منا على أعتاب السبعين والثمانين.  

وإذا سألتني عن الاستعدادات اللازمة لمرحلة الشيخوخة، سأقول لك شيئين فقط: اصنع الذكريات وتحلّ بالحكمة، فبالأولى ستعزي نفسك كلما فقدت بهجة من مباهج الحياة، وبالثانية ستضمن التواصل مع أحفادك بعد أن يرحل الأصدقاء أو يتوارون.  

تخيل غداً وقد انتهت صلاحية معظم أعضاء جسدك، واستقر أغلب من تعرفهم تحت التراب، فأي حزن ستشعر به وأنت تفتش في ذاكرتك عن لحظات جميلة مرت عليك فلا تجد شيئاً يبهجك، لأنك لم تقم بأي شيء في شبابك؟! وأي غربة ستشعر بها في هذا العالم حين ترى أحفادك يتسابقون نحو باب الخروج، لأنك عجوز ممل ليس لديك خبرة تنقلها ولا حكمة تدعو لها؟!

تخيّل هذا الحوار يدور بين اثنين من أحفادك، وهما في الطريق إليك:

ــ ابق واقفاً ولا تسأله عن أي شيء، حتى عن صحته، وإن كان لا بد، فلتكن أسئلة مغلقة. لا تورّطنا أرجوك مثل الأسبوع الماضي.

ــ المشكلة أنه يبدأ الثرثرة فوراً، وقبل أن تسلّم عليه.

ــ لا مجال للمجاملات معه.

ــ في إحدى المرات تشبث بي وسألني إن كنت أحب الاستماع إلى تجربته في الحياة العملية، وقبل أن أبدي عدم رغبتي انطلق يحكي ولم يتوقف إلا بعد أن دخل في نوبة سعال مفاجئة، فانتهزت الفرصة وخرجت مسرعاً.

ــ أوه.. أسمعني تلك التجربة عشرين ألف مرة. ويضيف وهو يقلد نبرة صوتك: تقدمت بطلب التوظيف لدى مؤسسة حكومية في عام 2013، وبعد أسبوع تم تعييني بوظيفة رئيس قسم، وكنت أذهب إلى مقر عملي يومياً، وأعود منه، وأُنجز الكثير من المعاملات، وأضعُ عليها توقيعي. ثم يتنهد جدك كالعادة ويقول: آه.. كنت أوقع كثيراً في الأيام الخوالي.

ــ يا رجل حكاياته مع السفر أسوأ. سمع مرة أنني أرغب في زيارة سويسرا، فأخذ يحكي عن مغامراته هناك، ففي إحداها جلس في مقهى واحتسى كوب كابتشينو، وفي مغامرة أخرى تبضّع مع جدتنا ووالدنا وعمنا في مركز تجاري واشتروا أشياء كثيرة.

ــ يا سلام على هذه المغامرات الشيقة! أما أكثر الأشياء المملة التي يرددها فهو مشاركته في شيء كان يسمى آنذاك "مواقع التواصل الاجتماعي"، ويقول إنه كان يقضي الساعات في إرسال النكات والروابط الإلكترونية لفيديوهات طريفة أو مثيرة. وكان في بعض الأحيان يدخل في مناكفات مع أشخاص آخرين.

ــ تجارب رائعة!

ــ والأروع تجاربه في ارتياد دور السينما، يقول إنه شاهد آلاف الأفلام الأجنبية، وإنه كان يتابع مباريات الكرة مع أصدقائه في المقاهي. وماذا أفعل لك يا جدي؟

ــ يبدو أنه لم يعرض عليك مقتنياته القديمة.

ــ بلى عرضها عشرين مرة، مجموعة من الهواتف القديمة والصدئة، وكلما أخرج واحداً منها من صندوقه الخشبي أخذ يسترجع ذكرياته، فهو كان أول شخص يبتاع هذا الجهاز، وعبر الجهاز الآخر أرسل آلاف الرسائل النصية.

ــ وكلما سمع عن اقتناء أحد أحفاده سيارة جديدة، أعاد موّال السيارات من جديد، فأول سيارة اشتراها كانت من نوع هوندا، ثم اشترى لاند كروز، وكان يقودها بسرعة 240 كلم في الساعة حين تدهورت ونجا من الحادث بأعجوبة، ثم اشترى جي إم سي، وهكذا يعدد أنواع السيارات، كأنها حكايات شيقة.

ــ أنا بصراحة لا ألومه في السخافات التي يتعلق بها، إذ يبدو أن زمنهم كان مملاً ورتيباً ولا شيء فيه.

ــ لا أعتقد، وإلا من أين يأتي جدنا لأمنا بكل تلك الحكايات المعبّرة والقصص المشوّقة؟!

ــ فعلاً، هما من جيل واحد تقريباً، ومع هذا، فإن جدنا لأمنا شخصيته مختلفة تماماً، وهو شخص لا يُمل. فلم أسمعه يوماً يتحدث عن السيارات أو الأسواق أو أسماء اللاعبين القدامى والممثلين الذين انقرضوا من الحياة..

ــ أو عن تلك الأجهزة السخيفة.  

ــ إنه مدرسة من التجارب والخبرات والتحديات الصعبة والحكايات الجميلة والمغامرات المثيرة.

ــ لا تمر حادثة أو موقف إلا ويغرف من ذاكرته شيئاً له صلة بما يجري.

ــ الغريب أنه يستحضر تلك الذكريات ويضحك حتى تدمع عيناه، فتشعر أنه شاب في مقتبل العمر على الرغم من مرضه وشيخوخته.  

إن كان مقدراً لنا أن نعيش إلى سن الشيخوخة والعجز، فلنختر لأنفسنا الجد الذي نرغب في أن نكونه، من الآن.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01