search
إصدارات
ارتباطات
ذاكرة فولاذية
13/4/2013

زارني قريب لي في البيت وسلمته مبلغ 180 ألف درهم نقداً لاستثماره في قطاع العقارات، درّة تاج الاستثمار في العام 2007، وفور مغادرته كتبت ملاحظة بذلك على ورقة صغيرة ووضعتها في محفظتي.  

أقنع قريبي أشخاصاً آخرين في العائلة بالاستثمار معه واشترى منزلاً صغيراً أودعنا فيه أحلامنا الكبيرة، فغداً نبيعه بضعف ثمن شرائه، ونشتري بناية، ثم نبيعها بخمسة أضعاف ونشتري برجاً، ثم نبيعه بعشرة أضعاف ونخرج من السوق لننام على الفلوس.  

بعد أشهر قليلة كانت الأزمة المالية الهمّ رقم واحد في العالم، وأخذت أسعار العقارات تتهاوى، وأخبرنا قريبنا بأن البيت خسر نصف سعره تقريباً، وأن البيع سيعني الخسارة الفادحة، وأننا لن نحصل إلا على قيمة الإيجار الذي هبط هو الآخر. 

منذ سنة 2008 وإلى قبل أيام قليلة، كنت كلما سمعت بالأزمة المالية، تشكّل رقم 180.000 في مخيلتي. وكلما خطر الموت ببالي، أجريت جرداً لما سأتركه لعيالي: بيت صغير، سيارة قديمة، حقوق تأليف كتب لا رواج لها، حقوق نهاية الخدمة، أسهم في شركات مفلسة، ورقة صغيرة في محفظتي.

الحمد لله، 180 ألف درهم في الحفظ والصون لدى قريبي. سيكفي هذا المبلغ أسرتي الصغيرة إلى أن يتم حصر التركة، خصوصاً أن المبلغ لن يمر في الإجراءات القانونية المعتادة، وإنما سينثره قريبي على رؤوس أطفالي أثناء تعزيتهم.  

وخلال هذه السنوات الست فكّرت في بيع حصتي في منزل الأحلام ثلاث مرات. في المرة الأولى تشكّل رقم 180.000 في رأسي وأنا على عتبة مدخل بنكٍ قصدته لأخذ قرض شراء سيارة بقيمة 168 ألف درهم، عدت خطوات إلى الوراء وقلت: لم لا أشتري السيارة نقداً؟! وستبقى لي 12 ألف درهم لألعب بها. لكنه قال إنه لا يستطيع شراء حصتي في الوقت الراهن لأنه يمر بظروف صعبة، ولن يجد من يشتريها ليحل مكاني.

في مرة أخرى شعرت بالخطر المالي أثناء الانتقال من عمل إلى آخر، وأثناء لبس القناع قبل التوجه لبنك بقصد السطو عليه، تشكّل رقم 180.000 أمام عيني، فخلعت القناع وقلت إنني بهذا المبلغ الكبير أستطيع التلذذ بنوم العاطلين عن العمل مدة طويلة، فاتصلت به، فقال إن الأوضاع (...)، وأنه لا يمكن بيع حصتي "رأس برأس".

قبل أيام قررت الانسحاب من هذا الاستثمار الخاسر، فلا يمكن تجميد 180.000 درهم في مشروع لا يدر إلا ألف وألفي درهم كل ثلاثة أشهر. فاتصلت بالرجل وقلت له إنني سأبيع حصتي مهما كانت قيمتها في السوق، فطلب مني مهلة للعودة إلى حساباته لمعرفة القيمة التقريبية لمبلغ 100.000 درهم الذي ساهمت به.

ماذا؟! أي مئة ألف الله يخليك؟! كانت 180.000 درهم يا رجل! لكنه قال بثقة إنه سيعود إلى أوراقه للمزيد من التحقق، فأنهيت المكالمة وأنا أتصنّع الضحك: صدقني، كانت 180.000 درهم.

أخرجت على الفور محفظتي وفرّغتها من محتوياتها لكن للأسف لم أجد الورقة. صحيح أنه لا حُجية لها في مواجهة الغير، لكنها على الأقل ستثبت لي أنني على صواب، وأن ذاكرتي كما هو عهدي بها دائماً: فولاذية لا يمكن أن يتسرّب منها حتى الإشعاعات.

تذكرت أنني أفضل إنسان يتذكر الأشياء، أي تذكرت أنني أتذكر، وأنني لا أنسى أنني لا أنسى، وأنني كنت المنتصر في كل حوار ساخن اعتمد على تذكر أشياء قيلت أو حدثت، وكنت دائماً أثبت أن الطرف الآخر هو الذي نسي أو يتناسى. صحيح أنه في أغلب الحالات كان الطرف الآخر يرفض الإقرار بالنسيان، لكنني كنت أعذره وأقول في نفسي: كيف سيتذكر شيء هو نسي أنه لا يتذكره؟!

أما قريبي، فقلت عنه إنه رجل أمين بلا شك، لكن لو كنت قد أرسلت له المبلغ عن طريق حوالة بنكية لما أسقط 80 ألف درهم من حساباته بهذه السهولة.

النسيان مشكلة. والمشكلة الأكبر أنه لو نسي الأصفار لما تعجبت منه، فأن يزعم أن المبلغ هو 18 ألف، أو 1800، أو 180، أو حتى مجرد 18 درهماً، أفضل بكثير من أن يستبدل الرقم (0) بالرقم (8). أما مصيبة المصائب لو قالت له أوراقه إن مساهمتي كانت فعلاً كما يزعم، ماذا سأفعل؟

قررت أن أترك له الـ 180 ألف إن أصر على أنها 100 ألف. ليس هناك حل آخر، خصوصاً أن يقيني بتسليمه 180 ألف درهم يشبه يقيني بوجودي، وبأنني لست ذلك المغفل الذي ينسى الأشياء، وبجملة واحدة: رقم 180 ألف محفور على لوح ذاكرتي ولا يمكن أن أنساه حتى لو فقدت الذاكرة، خصوصاً أنني كنت أتذكر الرقم في حلّي وترحالي لست سنوات متتالية.    

وقلت إنني أستحق أن أخسر فلوسي بسبب كسلي اللا محدود، فكان يكفي أن أطلع على الورقة الصغيرة بين الحين والآخر لأزداد يقيناً، فأنا لم أكلف نفسي الاطلاع عليها ولو لمرة واحدة، بقيت سنوات في جيبي والآن اختفت بشكل غريب.

وعاتبت خجلي الزائد أيضاً، إذ كلما سلّمني قريبي فتات إيجار البيت، وضعتها في جيبي من دون أن أوجه له أي سؤال، فلو كنت أسأله باستمرار عن التفاصيل، لجرى رقم 180 على لسانه باستمرار، ولما نسيه أبداً.

وفي المرات القليلة التي تحدثنا فيها عن الموضوع، فإنني كنت أسأله: ما هي أوضاع السوق؟ متى يمكن بيع البيت؟ ولم أسأله قط: كيف حال فلوسي الـ 180 ألف درهم؟

قبل أن أجري اتصالاتي ببقية المساهمين في البيت لأتأكد إن كانوا هم أيضاً تعرضوا لما تعرضت له بسبب نسيان قريبنا، تذكّرت أنني أحتفظ بمحفظة قديمة في أحد الأدراج، وزادت ثقتي في ذاكرتي التي تذكرت محفظة قديمة، فهرعت إليها ووجدت الورقة وقد اهترئت وبهت لونها، وشعرت بالحزن على ذاكرة قريبي بينما أفتح الورقة، وشعرت بالأسى على ذمته أيضاً.

كانت المفاجأة أنني وجدت هذه العبارة بخط يدي: 100.000 درهم. لفلان. لشراء بيت. 13/7/2007.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01