search
إصدارات
ارتباطات
"عبّود شحم لحم.. وسلّوم فلافل"
9/2/2013

لا حاجة لمن تخطوا سن الثانية والعشرين إلى قراءة هذا المقال، لكنني أتمنى أن تسلّم المستشفيات والمدارس والجامعات نسخة من المقال لكل مولود ولكل طالب.

إذا اختلس مدير بنك، ليكن اسمه أحمد، مبلغ 100 مليون درهم من مقر عمله، ثم وُضعت "الكلبشات" في يده، فإن أحداً لن يوصمه بلقب مشين يلتصق به في ما تبقى له من عمر، وسيبقى السيد أحمد الذي اختلس مبلغ 100 مليون درهم.

وبعد فترة، سينسى الناس القضية، خصوصاً إذا كان السيد أحمد كريماً يوزّع الأوراق الخضراء والزرقاء التي اختلسها من البنك، أو أطلق لحيته وتاب وعمل صالحاً.

لكن إن كان السيد أحمد نفسه، قد تورّط في طفولته بسرقة مبلغ درهم واحد من حقيبة زميل له في المدرسة، فإن أقرانه سيلقبونه بـ"أحمدو بو ريال"، أو "أحمدو الحرامي". وبعد مرور نصف قرن على الجريمة النكراء التي ارتكبها الطفل أحمد، فإننا قد نتشرف في حفل زواج بعجوز من هواة نبش الفضائح المدفونة تحت رمال الزمان يجلس معنا إلى المائدة وهو يعرّفنا بالعريس بأنه حفيد "أحمدو بو ريال" الذي سرق قبل 50 سنة درهماً معدنياً واحداً، لا يقدر بثمن.  

وإذا ألقي القبض على شاب يدعى سعيد لتورطه في قضية أخلاقية، ثم ألقي القبض عليه من جديد في قضية أخرى مماثلة، وبقي هكذا من السجن إلى السجن مدة 20 سنة من الفضائح، فإنه سيبقى على لسان الجميع: السيد سعيد الذي لديه بعض القضايا الأخلاقية. وإذا تزوّج وأصبح مخلصاً لزوجته، فإن سجله الجنائي سيمحى من ذاكرة الناس.

لكن إن كان السيد سعيد نفسه، قد ارتكب قبل أن يتم السابعة من عمره أمراً منافياً للحياء أو للآداب، فإن زملائه في المدرسة، وأصدقائه في الحي، وأقرانه في العائلة الكريمة، سيطلقون عليه لقب "سعّود المنحرف" أو "سعيدو راعي السوالف"، وسيودعه الناس في قبره بعد عمر طويل وهم يذكرون محاسن "سعّود ..".

أما لماذا نسي الناس ما فعله السيد أحمد والسيد سعيد ولم يطلقوا عليهما أي ألقاب مهينة؟! فلأن الألقاب لا تخرج من عالم الكبار، وإنما هي من الهوايات المفضلة للأولاد والصبية المراهقين.

كما أن اللقب يحتاج إلى سنوات طويلة ليترسّخ ويتمدد كالجذور في ذاكرة الناس ويصبح رديفاً لاسم صاحبه، خصوصاً إذا كُتب على جدار. بينما الذي يسرق مثلاً في سن الأربعين، فإن اللص وكل الذين عرفوا بأمره، سيرحلون عن هذه الحياة قبل أن يتمكن أي لقب قد يطلق عليه من تثبيت نفسه.  

إضافة إلى ذلك، فإن الكبار يتحلون ببعض اللباقة، ومن ثم فإنهم يتحاشون السخرية من غيرهم، خصوصاً أن الأيام تعلمهم أن الدنيا دوّارة، وأن الأرض من تحت بني آدم زلقة، وقد تزل أقدامهم في أية لحظة. بينما الصغار، لا يبالون بمشاعر أو أحاسيس رفاقهم، ولا يدركون عواقب تنابزهم بالألقاب، ويشعر الواحد منهم بأنه لن يخطئ أبداً، أو لن يكتشف أمره، لذلك يُشيطن صاحبه الذي تورط بمشكلة كبيرة، أو حتى موقف محرج.

والأهم من هذا، أن السيد أحمد أو السيد سعيد يعيشان في عالم محدود، من البيت إلى العمل إلى السجن، وبعد تورّطهما، فإنهما في الغالب سينعزلان عن المجتمع، وسينسى الناس وجودهما من الأساس. بينما الطفل أحمد والطفل سعيد، يعيشان حياتهما طولاً وعرضاً، ويحتكان بأقرانهما في المدرسة، أو الجامعة، وفي الحي، وفي العائلة. وفي حال تورطهما بأي شيء، فإنهما لن يستطيعا الابتعاد عن الأشخاص أنفسهم الذين يسخرون منهما، ويطلقون عليهما الألقاب والأوصاف القبيحة.

والخطأ الذي أعنيه هنا لا يقتصر على الجرائم التي تدوى فيها صافرات دوريات الشرطة، بل قد تكون أشياء صغيرة، كأن يضرب الطفل المؤدب سالم زميله الذي باغته وقضم قضمة واحدة من سندويتش الفلافل الذي كان في يده، فتتدخل إدارة المدرسة ويحضر ذوو الطفلان وتكبر القضية بطريقة دراماتيكية، فيُطلق عليه بهذه المناسبة لقب "سلّوم فلافل". وقد يأتي يوم يتبرع فيه رجل الأعمال الناجح سالم بمبلغ مليار درهم للجمعيات الخيرية، فيتساءل أهل المدينة عن هوية الرجل الخيّر الكريم، فيُقال: إنه سلّوم فلافل.

ورغم أن السيد سالم المعروف بـ"سلّوم فلافل" لم يرتكب أي خطأ وإنما ذاد عن "فلافله"، فإن الخطأ الذي كلفه غالياً هو أنه لم يحسب حساب اللقب الذي قد يطلق عليه بسبب قضمة واحدة، إذ كان عليه أن يترك السندويتش لصاحبه ويقول له: إن كان هذا السندويتش سيتسبب في تشويه سمعتي إلى الأبد، فخذه بالعافية عليك. وحين سيتبرع بالمليار درهم، فإن بعض الناس سيتذكرون قصته، وسيقولون: كان كريماً منذ صغره السيد "سلّوم تارك الفلافل".

لذلك، اسمعها مني يا أخي الصغير: لا تخطئ أبداً، على الأقل إلى أن تتخرج من الجامعة، فإن وقعت في إثم أو ورطة أو حتى هفوة خلال مدة اكتساب الألقاب من سن يوم واحد إلى سن الثانية والعشرين، فحاول أن تمنع استغلال الحادثة بإطلاق لقب عليك.

من بين أساليب إسكات أفواه الصغار من حولك هو أن تروّج للقب تختاره لنفسك بعناية وذكاء، فيجري على ألسنة أقرانك ويحصل مع الأيام على حجية اللقب المقضي به حتى لو حاول أحدهم إطلاق لقب آخر عليك، وهكذا تضمن أن يتناقل الرواة جيلاً بعد جيل اللقب المحبب إليك.

وبالطبع لن تختار لقب "عبّود شحم لحم" أو "رشّود الثور"، وإنما لقب لن تشعر معه بالإهانة أو الازدراء طوال حياتك، مثل "عبّود القاضي" أو "رشّود الذيب". ولا تشغل بالك في الأولاد الذين سيتساءلون عن سرّ اختيار ذلك اللقب، فيمكنك أن تزعم بأن جدك كان يعمل قاضياً، أو تدعي أن والدك كان يربي الذئاب في خزانة الثياب.

والأفضل من القاضي والذئب أن تلجأ لقاعدة الكنى المعروفة لبعض الأسماء الشائعة، كـ"بوجاسم" لمن كان اسمه محمد، و"بوسعود" لعبدالعزيز. لكن مشكلة هذه الكنى الجميلة أنها تذهب لأكثر من شخص في الحي الواحد، وللتمييز بينهم سيحتفظ صبي واحد بالكنية، وستُخلع على البقية ألقاب أخرى. والمشكلة الثانية أن هذه الكنى المعتمدة شعبياً تطير مبتعدة حين يجتهد الأولاد في اقتناص الفضائح للانتقاص من قدر بعضهم بعضاً، فلو ناضل صبي اسمه علي مثلاً سنوات طويلة ليثبت لقب "بوحسن" لنفسه، ثم تلطخت سمعته بأي فضيحة في معايير الأولاد، كأن تلقى صفعة على وجهه من صبي يصغره في السن، فإنه سيفقد تلقائياً لقب "بوحسن" المفخّم، وسيصبح مجرد "علّوه المصفوع" أو "علّوه بوطراق"، ففي هذه الحالة ينبغي له أن يقتنع بأنه لم يعد "بوحسن"، ويبحث عن لقب بديل لا افتخار فيه ولا احتقار، كـ"علّوه الطويل" أو "علّوه النصراوي".

كان يفترض بي أن أقاتل في صباي لأثبت لنفسي لقب "بوشهاب"، وهو لقب متداول في الخليج لكل من يحمل اسم أحمد، لكنني كنت أرتكب حماقات عجيبة وكدتُ أن أوصم بها، فتداركت الأمر بسرعة واخترتُ لنفسي بطريقة غريبة لقب "بوقلم"، ومهما كنت أتورط بعد ذلك في أشياء لا معنى لها فإنني كنت على لسان الجميع السيد "بوقلم"، ولا أعتقد أن حفيدي سينكس رأسه إن سأله أحد العجائز: كيف حال جدك أبا قلم؟


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01