search
إصدارات
ارتباطات
عن الفطائر والكاتب الساخر
20/4/2013

اتصل بي ناشر كتبي، وقال إن هناك ندوة لكتّاب الأدب الساخر، وإنني سأكون ضمن المتحدثين فيها، وعلى الفور اعتذرت عن المشاركة، لأنني أكره أن أقعد على المنصة وأزعم أنني كاتب ساخر.

اعتقد الناشر أن هذه أحجية، لكنني أوضحت له أنني منذ أن أكلت الفطائر قررت ألا أُعرف بأنني كاتب ساخر.   

كان أحد أصدقائنا يعمل في أبوظبي، وكلما التقينا في نهاية الأسبوع في ربوع دبي، وجرى الحديث عن أي شيء يتعلق بالطعام أو الوجبات أو الحمية أو أجهزة التخسيس أو حتى الأمراض المرتبطة بالطعام، قال وهو يتلمظ ذكرى طعم لذيذ في فمه: لا شيء ألذ من فطائر محل في أبوظبي.

بقيت سنوات أسمعه وهو يردد اسم ذلك المحل، إلى أن اتصل بي في أحد الأيام وطلب إيصاله إلى أبوظبي لتسلّم سيارته من الكراج، فسألته فوراً: وماذا عن الفطائر؟ فأرسل ضحكة خبير تذوق وقال: المحل سيكون في طريقنا.

طوال الطريق من دبي إلى أبوظبي كنت أستعرض أمامه أسماء محال الفطائر المشهورة في دبي، فيضحك على سذاجتي ويقول: لا جبن للمقارنة. والغريب أنني أخبرته بأن ألذ فطائر أكلتها في حياتي كانت في منطقة "شتورة" اللبنانية، فقال إن فطائر المحل في أبوظبي ألذ من فطائر "شتورة".. رغم أنه لم يسبق له زيارة لبنان. 

بعد تسلّم سيارته من الكراج، طلب مني اللحاق به إلى حيث يقع ذلك المحل، فسرت خلفه وأنا أكز على أسناني تمهيداً لاستعمالها في تقطيع الفطائر اللذيذة، متخيلاً الجبن الذائب ينساب من فمي أثناء قضم الفطيرة، وقطع اللحم المفروم تتناثر على ثيابي عند التهام فطيرة اللحم بالجبن، وحبات السمسم تنحشر بين أسناني وأنا آكل فطيرة الجبن بالزعتر، ثم الجبن ينساب من فمي من جديد، لأنني قررت أن آكل فطيرتي جبن.

وفكرت أيضاً في شراء زجاجتي كولا، واحدة أشربها أثناء التهام الفطائر، والأخرى أتسلى بها في الطريق، خصوصاً أنني سآخذ كمية إضافية من الفطائر لآكلها عند الوصول إلى البيت، وأحتفظ بالباقي في الثلاجة لآكل منها كل يوم فطيرة واحدة لمدة أسبوع. وكنت أفكّر: هل يمكن تناول الفطائر على الوجبات الثلاث لسبعة أيام متتالية؟! ألن يحدث شيء في بطني؟! وماذا سأفعل لو طلبت زوجتي مشاركتي في فطائري الشهية؟!

دلف صديقي في شارع خدمات وتوقف أمام محل صغير، وترجل كل واحد منا من سيارته ودخلنا المحل بمشاعر مختلفة، هو كان يشعر بأنه أسدى لي خدمة جليلة، وأنني سأبصم على العشرة غداً أمام بقية الأصدقاء بأن حكمه كان سديداً، وأنا كنت أشعر بأنني على وشك كشف أحد أكثر الأسرار غموضاً في حياتي: الفطائر التي كنت أسمع عنها طوال سنوات.

كان وجه صديقي يتهلل كلما طلبت المزيد من الفطائر، لدرجة أنني لم أستطع فتح باب سيارتي بسبب حملي أكياس كثيرة بيدي الاثنتين، وقال صديقي وهو يغادر إلى سيارته: ارحم نفسك.. المحل في النهاية يقع في أبوظبي ونستطيع المجيء إليه كلما قررت التلذذ في الأكل.

التهمت الفطيرة الأولى ولم تلبِ طموح بطني، فقلت ربما لم أشعر بطعمها بسبب سرعة التهامها، فأكلت الثانية على مهل، والثالثة، واتصلت بصديقي الذي كان يسير خلفي وطلبت منه التوقف للتبرع له بالفطائر الكثيرة الباقية، فتعجب من ذلك، فقلت له إنه السبب في عدم شعوري بلذة ما أكلت، لأنه رفع سقف توقعاتي إلى موائد الجنة، وضربت موعداً لبطني مع فطائر ألذ من المن والسلوى، فخابت توقعاتي حين ظهرت الفطائر متميزة قليلاً عن فطائر بقية خلق الله.

والذي يحدث في الكتابة أنه يتردد على مسامعي اسم كاتب ساخر، وأسمع من هنا وهناك أن كتاباته تفطس القارئ من الضحك، ويبقى اسم الكاتب في ذهني إلى أن أجد له مقالة أو كتاباً، وقبل أن أشرع في القراءة أزيل أي شيء حاد أو مدبب موجود وراء ظهري، لأستطيع أن أضحك وأقع على قفاي.

لكنني أقطع شوطاً طويلاً من القراءة من دون المرور على لمحة ظريفة واحدة، فأقول: لا بد أنه خبأ مفاجأة في نهاية المقال أو الكتاب، لكنني أصل إلى كلمة "تمت" أو نقطة نهاية المقال ولا شيء يدعو للضحك، فأصاب بخيبة أمل وأعاهد نفسي بأن أتجنب قراءة أي شيء آخر لهذا الكاتب الساخر.

فقد كنت أتوقع أن أضحك مع كل سطر كتبه كاتب عُرف بأنه ساخر، أو على الأقل مع كل فقرة أو مقطع، أو حتى أكتفي بمجرد التبسّم، لكن كل هذا لم يحدث، ولو كنت قد قرأت للكاتب نفسه، المقال أو الكتاب ذاته، من دون تبرّع أحدهم بالتعريف بالكاتب بأنه ساخر، لربما ضحكت كثيراً ووقعت على قفاي فعلاً.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01