search
إصدارات
ارتباطات
غصة الانعطاف الأخير
16/2/2013

تعطلت سيارتي في منفذ الغويفات الحدودي بين الإمارات والسعودية، وبقيتُ أعبث بأسلاك الماكينة نصف يوم كامل في وسط الغبار وتحت أشعة الشمس، لكن من دون جدوى، فأخذت أشير إلى السيارات لعلّ إحداها تحن على سيارتي المسكينة، لكنها كانت تخطف أمامي بسرعة الرصاصة. والغريب أن بعض السيارات كانت تزيد من سرعتها عند اقترابها مني، وكنت ألمح سائقها ملوحاً بيده وهو يضحك. 

فجأة، توقفت سيارة وترجل منها رجل وهو يشمر عن ساعديه، وطلب مني التنحي وأخذ يغوص بيديه داخل الماكينة، ثم تمدد أسفل سيارتي وأخذ يفحصها، ثم خرج وهو ينفض يديه ويردد: لا مشكلة، سأقوم بقطر سيارتك إلى باب منزلك. ثم أقسم عليّ بأغلظ الأيمان بأن أتفضّل إلى بيته في السلع، وهي أقرب مدينة إلى الحدود.

بعد أن ذبح جملاً على شرفي، وأكلت نصفه، أعادني إلى حيث سيارتي وفتح لي بابها وطلب مني الجلوس مسترخياً بينما سيقوم هو بقطر سيارتي بسيارته إلى دبي.

بدأ الظلام يهبط على الطريق الطويل ونحن ما نزال على مسافة ليست بالقصيرة من أبوظبي، إذ إن سرعتنا كانت بطيئة بسبب القطر والمضايقات التي كنا نتعرض لها من السيارات الأخرى. وعند الوصول إلى أبوظبي كان الظلام قد اشتد، فأوقف صاحبي سيارته، وسيارتي بطبيعة الحال، وألح علي لنقضي ليلتنا في أبوظبي، لأرتاح من وعثاء السفر كما قال، والصباح رباح.

انطلقنا إلى فندق "قصر الإمارات" الفخم، وفوجئت به يحجز لي جناحاً ملكياً، وأمضى هو ليلته على مقاعد الاستقبال بالفندق، وحين أشرقت شمس اليوم التالي، نقر باب غرفتي نقرات خفيفة، ففتحت الباب ورأيت للمرة الأولى في حياتي النعاس متجسداً على شكل إنسان، واستأذن وهو يتثاءب في استخدام حمام الجناح، لكنني اعتذرت عن ذلك؛ لأنني لا أحب أن يشاركني أحد في استخدام أدوات التنظيف، فأخرج من جيبه فرشاة أسنان، فقلت له بأنني لا أحب حتى استخدام معجون أسناني من قبل الآخرين.

في هذه الأثناء، كان عامل في الفندق يدفع طاولة دائرية تتحرك على عجلات، وتوقف أمام باب الجناح، وهتف بأدب جم: صباح الخير سيدي، الإفطار الملكي بناء على طلب الأخ الذي حجز لك الجناح، فالتفت إليه فوجدته يطأطئ رأسه ويعبّر عن أسفه لأي تقصير، فقلت بنبرة أخوية: لا عليك، تحصل في أحسن العائلات. ثم استأذن ليغسل وجهه ويفرش أسنانه بماء حوض السباحة في الفندق إلى أن أنتهي من إفطاري، فوافقت على ذلك، وكان العامل في هذه الأثناء يخرج طاولة العشاء التي أكلت منها في الليلة السابقة، ويدفع إلى داخل الجناح طاولة الإفطار، فأخرجت له من محفظتي بعد تفكير وتردد مبلغ خمسة دراهم، لكنه اعتذر عن قبول هذه الإكرامية، وقال إن ذلك الرجل دس في جيب سترته إكرامية في أثناء حديثه معي.

المهم إنني انكببت على مائدة الإفطار التهم أطباق البيض والفول والسجق واللحم المقدد والأرز الصيني، وأتيت على سلة المخبوزات بالكامل، كما ملئت جيبي بعلب العسل والمربى التي رفض بطني استقبالها.  

عاد الرجل بعد نحو ساعة، وانطلقنا إلى حيث سيارتي، وأعاد تركيب حبل القطر، وقبل أن نتحرك، وضع ظرفاً مغلقاً على المقعد المجاور لمقعدي، وأقسم علي بألا أفتحه إلا بعد الوصول إلى منزلي، فوافقت على ذلك وانطلقنا إلى دبي.

عند اقترابنا من مركز ابن بطوطة للتسوق، أجريت مكالمة هاتفية من الهاتف المتحرك الذي تركه معي بعد أن عرف أن شحن بطارية هاتفي نفد، وأخبرته وأنا أذوب خجلاً من كرمه وشهامته، بأن منزلي يقع في المنطقة المقابلة لبرج خليفة، وتحديداً خلف مركز "مزايا".

وفي هذه الأثناء، استوقفتنا سيارة شرطة، وحُررت مخالفة مرورية ضده، إذ تبين أن قطر السيارات بتلك الطريقة مخالف للقانون، فقلت له قبل أن ننطلق من جديد: يكفي، سأتصل بشركة متخصصة، لكنه أبى وقال وهو يضرب صدره: سأوصلك إلى منزلك ولو حكموا علي بالسجن المؤبد.

وفعلاً، تحركنا لكنه توقف بعد نحو ربع ساعة أمام البرج الشاهق، وفك حبل الجر وودعني وهو يشير إلى حيث يقع منزلي في الشارع المقابل، واعتذر عن أي تقصير؛ لأنه سيضطر إلى العودة حالاً إلى مدينته البعيدة. وقبل أن أفكّر في شرح الموقف تحرك بسيارته وانطلق عائداً إلى السلع وهو يهتف: الهاتف المتحرك هدية لك.

بقيت واقفاً لا أدري ماذا أفعل، وماذا أقول، فقد خيّب الرجل ظني به في اللحظات الأخيرة ولم ينعطف الانعطاف الأخير تجاه منزلي وتركني مع سيارتي المعطلة وهاتف متحرك قدمه هدية لي؟!

بطريقة ما وصلت إلى البيت، وحكيت لزوجتي ما حصل وهي منبهرة من موقف الرجل، لكنني ختمت كلامي وأنا أهز رأسي: للأسف، أخلف الرجل وعده بإيصالي إلى باب المنزل، وتركني على الشارع المقابل من دون أن يفكر لحظة واحدة في كيفية انتقالي إلى الشارع الآخر بسيارة معطلة! هل أحمل السيارة على كتفي وأطير بها فوق شارع الشيخ زايد مثلاً؟! للأسف، ذهبت الشهامة من الناس.

لكن زوجتي لم يعجبها موقفي، وقالت: إذا كان حبيبك عسل لا تأكله كله، فقلت لها: هذا صحيح، لكن ألم تسمعي المتنبي وهو يقول: "ولم أرَ في عيوبِ الناس شيئاً، كنقصِ القادرينَ على التمامِ". للأسف، توقف ذلك الرجل عند النسبة 99 بالمئة في إحسانه لي وشهامته معي، وبمجرد انعطاف أخير كان سيحرز العلامة الكاملة، خصوصاً أنه كان سينعطف ذلك الانعطاف في كل الأحوال ليستطيع العودة من حيث أتى، لكنه عمل عملاً ولم يتقنه.

وتذكرت الظرف الذي بقي في سيارتي، فخرجت مهرولاً وأمام عيني تتراءى قضبان السجن، إذ خطر ببالي أنه ربما استخدمني لنقل المخدرات، وبعد قليل سيحضر أحدهم لتسلّم الظرف، ومن خلفه فرقة من رجال المباحث الذين كانوا يترصدونه منذ لحظة توقفه لمساعدتي على الحدود.

يا إلهي، ما هذه المصيبة، وحين فتحت الظرف بيد ترتعش فوجئت بوجود مائة ورقة مالية من فئة الألف درهم، يعني مائة ألف درهم.

عدت إلى زوجتي وأنا مصدوم، وبطريقة لا إرادية نثرت الأوراق المالية فوق رأسي وأنا أضحك بشكل هستيري وأقفز من السعادة مثل آكلات الموز، ومع هذا كنت أشعر بغصة الانعطاف الأخير.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01