search
إصدارات
ارتباطات
"لا تتدلل بحُسنك أمام يوسف"
23/2/2013

بعد أن تخطى الثمانين، أجرى للمرة الأولى في حياته فحوصات طبية شاملة في مستشفى ببانكوك، وكانت النتيجة: ارتفاع طفيف في الكوليسترول.

بقيت طوال الوقت أقرأ المعوذتين في سرّي، فالطبيبة الثلاثينية ترفع حاجبي الانبهار بالنتائج، وتقول: لو أجريت فحصاً على نفسي لما ظهرت حالتي بأفضل من حالته. أما المترجم، فكان مع كل عضو في جسم العجوز تقرر الطبيبة أنه يعمل بكفاءة يقول ببلاهة وهو يرسل الضحكة التايلاندية القصيرة المعروفة: الناس عندنا في هذا العمر يكونون إما مقعدين في بيوتهم أو يرقدون بسلام في قبورهم أو صاروا رماداً يطفون على مياه الأنهار. وكان يسأل العجوز عن سرّ صحته الجيدة، وبالطبع، لم يخطر بباله أو ببال الطبيبة إسداء النصائح الصحية له.

وحين اجتمع الرجل بعد عودته إلى البلاد بأولاده، وأحفاده، وفي حضور أبناء أحفاده، وعلموا نتيجة الفحوصات، تبرّعوا له بالنصائح والإرشادات التي لولاها لما عرف الرجل الثمانيني كيف يحافظ على صحته طوال تلك العقود، وقبل أن يولدوا جميعاً:

- الشاي الأخضر مفيد في هذه الحالة يا جدي.

- الرمان أيضاً له دور فاعل في القضاء على الكوليسترول.

- يفضّل أن تتوقف عن تناول الروبيان يا والدي.

- لا مشكلة في البيض حسب آخر الدراسات الطبية يا جدي، المشكلة في طريقة طهو البيض، المشكلة في علب الزيت وليس في الدجاجة.

- أفضل شيء لتحدي الكوليسترول هو ممارسة الرياضة يا أبي.  

المفارقة أن أصحاب النصائح الذهبية لم يتخطوا عتبة الأربعين إلا وهم يحملون معهم أمراض ضغط الدم، والسكّري، والكوليسترول أيضاً، وربما الضعف الجنسي. وحال هؤلاء الشباب المرضى الذين ينصحون كهلاً حافظ على صحته ثمانية عقود، من دون مستشفيات ولا صيدليات ولا شاي أخضر، كحال الذي يتدلل بحُسنه أمام يوسف، النبي الذي اشتهر بأنه كان آية في الجمال.

وللأسف، فإن دواوين جلال الدين الرومي باتت في متناول القرّاء العرب بعد أن تمت ترجمتها، ولذلك، فإنني مضطر إلى الإشارة إليه باعتباره قائل عبارة: "لا تتدلل بحُسنك أمام يوسف"، وإلا كنت نسبتها إلى نفسي.

والمعنى الظاهري للعبارة واضح، وهو أنه مهما كان المرء وسيماً وجميلاً، فإنه من المثير للسخرية أن يظهر مفاتنه ويداعب خصلات شعره أمام الجمال اليوسفي.

فيحدث كثيراً أن نتحلق حول موقد الشواء ويدور الكلام عن معاملة مصرفية، فنأخذ في التفلسف في حضرة صديق يعمل منذ 20 عاماً في هذا القطاع، متنقلاً بين عشرات البنوك، وشاغلاً مناصب مختلفة فيها، فبدلاً من أن نغلق أفواهنا أمامه وتمتد أيدينا لا شعورياً إلى الجمر المشتعل انبهاراً بمعلوماته الدقيقة عن البنوك والأسهم والاقتصاد وأي شيء يتعلق بالفلوس، فإننا نتفلسف بـ"شوية" الكلام غير المؤكد الذي سمعناه من هنا وهناك.

وحين يُسأل صديق يعمل منذ قرون في قطاع العقارات عن أي شيء يتعلق بمجال عمله، فإن  صديقاً لنا يعمل طياراً مدنياً، وآخر أمضى حياته في الجيش، وثالث مهووس بالكمبيوترات، يتناوبون في الإجابة ويشاغبون على سمسار الأراضي، فيضيع صوته وسط الكلام. والغريب أن خبير المصارف يتدخل أيضاً، بينما هو في العقارات مجرد أبو جهل.

ونجادل في أسعار العلف الحيواني صديق يمتلك مزرعة يربي فيها الدواجن والمواشي، ونقدم له على طبق من غباء نصائح غير مفيدة في تربية الحيوانات، بينما نحن لا نعرف الطريق إلى سوق العلف، ولا نفرق بين "الجت" و"السبوس"، ولم يحالفنا الحظ للقاء حيوان واحد في حياتنا.

وصاحب المزرعة نفسه الذي لا يعرف معنى التسلل في كرة القدم، يدلي برأيه في خطط المدربين أمام صديق يحفظ أسماء نصف لاعبي الكرة في العالم، ويتابع أي مباراة تعرض في أي قناة في أي وقت.

والعبد لله الذي درس القانون وعمل في النيابة العامة والمحاكم ويمتهن المحاماة، يلوذ بالصمت عند الحديث عن مسار قضية جنائية تشغل الرأي العام، أعرف القضاة الذين ينظرونها، والمحامي الذي أوكل بالدفاع فيها، ولون المنصة التي سيحكم في القضية منها، إذ الجميع يتدخل ويفسر ويحلل على ضوء تقلبات سوق الأسهم، وإجراءات السلامة على متن الطائرات، وأصوات الديكة والماعز.

ورغم أن القذافي قال كلاماً لا يخطر ببال بشر في مجمل ما قاله من تُرّهات، فإنه قال عبارة واحدة يستحق أن يُخلّد بسببها، وهي: "من أنتم؟". صحيح أنه ألقى ذلك السؤال الاستنكاري المقتضب استخفافاً بشعبه الثائر على حكمه الجائر وشعره المنكوش، إلا أنها أفضل عبارة يمكن أن تقال لمن يتدللون بحُسنهم أمام يوسف.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01