search
إصدارات
ارتباطات
من "هونيك" بالفطرة
30/3/2013

كنت محظوظاً بصداقة أحد أهم المغازلين العرب في حقبة التسعينيات، وكان كلما تعرف إلى فتاة جديدة سألني إن كنت أحب التعرّف إلى فتاته السابقة، فأقول مكابراً إنني أحب التعرّف بعرق جبيني، فيعطيني نصيحته الوردية:

تسكّع في الطرقات أطول فترة ممكنة حتى تلمح فتاة تقود سيارتها وحيدة، ثم لاحقها شارع أو شارعين، ثم الصق على مقبض باب سيارتها رقم هاتفك. وإذا قررت التسكّع راجلاً، فسدد نظرات الهيام نحو أي فتاة تمر إلى جانبك، فإن أشارت بعينيها هكذا، ناولها الرقم هكذا.

نظرياً، كنت أستحق لقب بروفيسور المغازلة، فأنا أعرف كيف تبدأ الحكاية، وأين تتجه، ومتى تتعقد، ولم تنته، لكن ما فائدة "علم" من دون عمل؟

جهزت سيارتي بربطة قصاصات صفراء لاصقة، ولحقت واحدة في أكثر من شارع إلى أن توقفت أمام محل خياطة، ونزلتْ من السيارة وهي ترمقني بنظرات الحب. ألصقت القصاصة وأسرعتُ إلى البيت أنتظر الـ "ترن.. ترن".

قفزت في مكاني حين رنّ الهاتف، شكراً لصديقي أستاذ الغرام، لكن صوتاً خشناً بادرني بالسؤال:  

- أنت وضعت الرقم على سيارة أختي؟

- نعم.

- ألا تستحي على وجهك؟

- أستحي.

- أليس عندك أهل؟ (يعني أخوات).

- عندي.

- هل ترضى عليهن؟

- كلا.

- ولم فعلت ما لا ترضاه على أهلك؟

- الشيطان.

- هل بدر منها أي شيء جعلك تقدم على ذلك الفعل؟

- كلا.

- إذن لم فعلت ذلك؟

- لا أدري.

- يبدو أنك غبي، لكنني سأبلغ الشرطة؟

- أرجوك لا.

- أعتقد أنني سأبلغ.

- الله يخليك أنا آسف وآخر مرة.

قبِل الرجل توسلاتي وانتهى الأمر.

ونعتني صديقي بـ"الغبي" أيضاً، ولم يقتنع أنني التزمت بجميع الإجراءات المتبعة في هذا الشأن، وبقي يقول إنني لا بد أخطأت في جزئية معينة، أو اخترت هدفاً خاطئاً، وإلا كيف غازل هو مليون مرة وتودّد إلى نصف نساء الأرض ولم يقع له مكروه؟

بدأت أفكر في الزواج بعد ذلك الحوار الهاتفي المذل، ولأنني لم أعرف سبب ما حصل، فقد حاولت مراراً تنفيذ خطة صديق آخر في مجال الدخول إلى الأماكن التي يحظر لغير المسموح لهم بدخولها، فهو كان يؤكد أن الأمر سهل، كل ما علي فعله هو أن أدعس على المكابح بقوة أمام الحاجز الآلي كأن دخولي تحصيل حاصل، ثم أستعمل الهرن بشكل سريع ومتتال، ثم أشير بسبابتي للحارس، ثم أنظر كيف سيرتفع الحاجز أمامي والحارس يلوّح بيديه محيّياً. لكن في كل مرة كان الحارس يعترض طريقي، ثم يلوح بيديه بما يعني الابتعاد والعودة من حيث أتيت. 

عرفت السر بعد أن شاهدت حلقة من حلقات مسلسل "مرايا" للفنان ياسر العظمة، ففي هذه الحلقة يؤدي العظمة دور رجل يزور قريباً له في مدينته، ويفاجأ القريب بأنه كلما استوقفهما شخص أو موظف، فإن قريبه يبرز بطاقة من جيبه ويهمس في أذن ذلك الشخص: "أنا من هونيك"، فيتلعثم هذا ويؤدي التحية ويفسح لهما الطريق.

كان القريب متعجباً مما يحدث ومن سر تلك البطاقة، فكشف له العظمة السر، وهو أن البطاقة ليست إلا بطاقة عضوية في مسبح، لكنها تصبح بطاقة مهمة ويصبح صاحبها مرهوب الجانب من خلال الأجواء التي يصطنعها أثناء إبراز البطاقة، فهو أولاً يقطب حاجبيه، ثم يسدد نظرات متعالية، ثم يبرز البطاقة بثقة، ثم يتكلم بنبرة حازمة، ويلوح بيديه بطريقة توحي بأن الأمر منقضٍ.

في المشهد الأخير، يحاول القريب الصعود إلى حافلة من دون تذكرة، فيستوقفه محصّل التذاكر ويسأله، فينفذ الخطة بالضبط، ويبرز بطاقة ويقول: "أنا من هونيك"، لكنه يفاجأ بالمحصّل يسحب البطاقة من يده، وينهال عليه ضرباً حين يكتشف أن البطاقة تافهة، ثم يجره من قميصه ليسلمه للشرطة، وفجأة يظهر العظمة ويستوقفهما ويسأل عن الذي يجري، بالطريقة المعتادة، فيصدق محصّل التذاكر أنه من "هونيك" الحقيقي، ويسلّمه من "هونيك" المزيف.   

يبدو أن بعض الناس هم من "هونيك" بالفطرة، سواء استخدموه في أمور حسنة أو خاطئة، يوحون بذلك بشخصياتهم، ويتركون ذلك الانطباع بحضورهم، وويل لمن يحاول تعلم أن يكون من "هونيك".


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01