search
إصدارات
ارتباطات
نهاية العالم قبل أكتوبر 2033
2/3/2013

سألتُ موظف تحصيل قروض الإسكان طويلة الأجل عن آخر قسط يتوجب علي دفعه، فقال بثقة: أكتوبر 2033، فعلّقت ضاحكاً بأنني أتوقع أن تقوم القيامة قبل ذلك التاريخ.

خرجت من هناك وقد انزاح عن كاهلي همّ الدين، على الأقل لن أسدد القسط الأخير، وفي اليوم نفسه، وبينما كنت أراقب غروب الشمس الهائلة جداً، والبعيدة جداً، سألت نفسي: لم توقعتُ، وربما يتوقع كثيرون غيري، نهاية وشيكة للعالم وليس بعد ملايين السنين؟ هل نحن محور الكون الذي يبلغ عمره 12 مليار سنة لنتوقع فناء العالم بمجرد خروجنا منه؟! ما الشيء الذي يميزنا عمن مضّوا أو عن الذين سيأتون من بعدنا لنتوقع أنهم لن يكونوا من الأساس؟! أين أولئك الحمقى من مختلف الحضارات الذين تنبأوا بنهاية العالم في تاريخ كذا وكذا، ومرت تلك التواريخ والدنيا عيد؟


وليس الحمقى وحدهم من ضربوا الأرقام اعتباطاً، فقد نشرت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية بحثاً لعالم كندي عن تنبؤات إسحق نيوتن، مكتشف الجاذبية، فحسب البحث فإن نيوتن تنبأ قبل 250 عاماً بنهاية العالم في سنة 2060 ميلادية، وأرجو من الجماعة الذين سيكونون أحياء يرزقون في سنة 2061 أن يضحكوا على نيوتن أيضاً.

نحن لا نتخيل أننا سنرقد في تلك الحفر البائسة لقرون أخرى قادمة، وما هي إلا أيام وينفخ في الصور ونقوم من مرقدنا ونجري حفاة عراة إلى ساحة الحساب، لكن لو سئل أصحاب الهياكل العظمية عن توقعاتهم إبان وجودهم في العالم، لقالوا: لم يخطر ببالنا أن قبورنا ستنبش، وأن عظامنا ستنقل، وأننا سنجد القوالب التي حملت أرواحنا يوماً في غرف الباحثين يعبثون بها ويستنزفون فلوس حكوماتهم بالأبحاث التي يجرونها على عظامنا بلا طائل.

وتعطينا أخبار العثور على آثار الأقوام الغابرين إحساساً خادعاً بأننا لن نوصف بالغابرين أبداً، فما داموا هم كانوا في فجر التاريخ، فنحن في الساعات الأخيرة منه، وعما قليل سيبزغ فجر الحياة الأخرى.

لكن إن صحت التقديرات بأن عمر البشرية يصل إلى 7 آلاف سنة، فماذا كان الناس قبل 3 آلاف سنة يسمون من كانوا قبل 6 آلاف سنة؟! ألم يكونوا مجرد قوم غابرين؟! ولقد غبروا هم أيضاً، وربما نغبر نحن من ورائهم، ليقال بعد 700 ألف سنة، عن زماننا هذا، بأنه زمن فجر التاريخ بالنسبة لهم، ونوصف بأننا كائنات بدائية.

ونحن لا نتصور أن ذكرانا ستنقطع نهائياً عن العالم، لكن من يعرف الآن يقيناً اسم جد جد جده؟! نحن في العائلة لا نعرف حتى اسمه، ولا نعرف إن كان حياً أم ميتاً؟! وهذا الرجل الذي لا نعرف عنه أي شيء، لم يظهر في هذا العالم قبل آلاف السنين، وإنما كان هنا قبل 200 سنة فقط، ومع هذا، لا أثر له الآن البتة.

فهل كان هذا المسكين يتوقع أن يجهله أحفاد أحفاده؟! هو في الغالب كان يتوقع أن ينتهي العالم بعد ولادة "شوية" أحفاد له، لكن ها أنذا حفيد حفيد حفيده على قيد الحياة، ولم ينتهِ العالم بعد.

ونحن نتصور أن ناطحات السحاب هي قمة العمران في هذا العالم، ولن يكون هناك متر إضافي في المستقبل، لكن ألم يكن هذا تصور من بنوا الأهرامات؟ ربما بعد ألف عام من الآن، يشيد البشر ناطحات كواكب بدلاً من ناطحات السحاب التي ستكون مجرد سلالم. تدلف مدخل برج "أميري" على شارع الشيخ زايد، لتخرج من الطابق 13 مليون وتتمشى في المريخ. بالطبع، نحن نستبعد هذا الشيء، كما استبعد بناة الأهرامات تشييد مبانٍ تعانق سُحب السماء.

وربما يخطر ببالنا أنه بعد ثورة الإنترنت لن تكون هناك ثورات أخرى، ولن يكون هناك جديد تحت الشمس، ومن ثم، فإن النهاية اقتربت. صحيح أننا نتوقع المزيد من التطور التكنولوجي، لكننا نستبعد حدوث نقلة نوعية أو قفزة كبيرة يصبح معها الإنترنت شيئاً بدائياً، ومضحكاً، ومثيراً لتعجب من سيأتون بعدنا من ضحالة تفكيرنا، وضآلة خيالنا.

وحين نرى التفتت الأسري، والانحلال الخلقي، والتقاتل البشري، نتصور أن مؤشر الشر يكاد أن يبلغ حدوده القصوى، مثل مؤشر السيارة، فإذا كانت الحدود القصوى للشر مثلاً 220 نقطة، والمؤشر الآن يقف على 190، فإنه لم يتبق الكثير ليصبح البشر أباليس، ومن ثم تعلن نهاية العالم. لكن ربما كان الشر من 9 آلاف نقطة، وما دمنا لم نستطع بكل هذه الشرور التي نشرها أسلافنا، وننشرها نحن، أن نصل سوى إلى النقطة 190، فأمام البشرية الملايين من السنين ليواصلوا المشوار من بعدنا.

ويتحدث الكاتب السعودي مشاري الذايدي في مقالة له عن الـ"أبوكاليبس"، وهي لفظة يونانية الأصل وتعني لحظة نهاية الزمان، ويشير إلى أكثر الحضارات البشرية تعتقد بوجود هذه اللحظة، وكلما اختل حالها وشعرت بالضغط عليها، زاد حديثها عن نهاية الزمان.

ويذكر الكاتب بما حصل أثناء قيادة الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لدحر القوات العراقية من الكويت سنة 1991، إذ تبنى بعض مشايخ الدين لحظة نهاية الزمان من خلال ربط الأحداث بعضها ببعض، وقد تحررت الكويت وعادت إلى أهلها، ومرت سنوات طويلة على ذلك الحدث ولم يحدث الـ"أبوكاليبس".

أعتقد أن أحد أسباب استحضار هذه اللحظة بين الحين والآخر هو الغرور الإنساني، فما دامت أمة ما تشعر بالخطر، فإن العالم سيقفل أبوابه في وجه بقية الأمم أيضاً، والتي ربما تعيش في أزهى عصورها.

يبقى علم ذلك اليوم عند الله بطبيعة الحال، لكنني شخصياً أتوقع أن تعلن النهاية قبل سنة 2033، لأتخلص من القسط الأخير للقرض، ولو شاء الله أن يمد في عمر هذا العالم مليار سنة أخرى، فأتمنى أن يحتفل صاحب ناطحة الكواكب "أميري" بذكرى جده السابع بعد الألف. إياك أن تنساني يا مجرم!


Share |
|
|
|
......
23/7/2013 11:00 PM
كنت أحبذ لو استخدمت كلمة "أموال" بدلاً من كلمة "فلوس" !
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01