search
إصدارات
ارتباطات
الفلك الدوّار
27/4/2013

لقّن الفلك الدوّار حفنة من البشر درساً رائعاً إبان الأزمة المالية العالمية، فمنهم من انتحر، ومنهم من انكسر، ومنهم من أخذ يضحك على نفسه.

كنت آنذاك أعمل رئيساً لتحرير مجلة أسبوعية تعيش على دخل الإعلانات العقارية، ولأن مركز الهزة المالية كان في القطاع العقاري وانشقت الأرض من تحته وبلعت مشاريعه، فقد تضررنا من ارتدادات الهزة وصدر قرار بإغلاق المجلة.  

كان تسريحنا في الأرض سيثير البلبلة، لذلك تقرر توزيعنا على مؤسسات أخرى تعمل تحت مظلة المؤسسة الأم مالكة المجلة، ويبدو أن اجتماعاً عُقد على مستوى القيادات، عبّر كل واحد منهم عن إنزعاجه من هذه الخطوة، لكنهم تحت الضغط وافقوا على ضم عدد من الرؤوس إلى مؤسساتهم.

في أثناء تبادل كلمات الوداع في أروقة مبنى المجلة، همس أحد الزملاء في أذني: ستُعامل هناك باعتبارك رئيس تحرير، فهذا نقل وليس توظيفاً جديداً، وستكون قيمة مضافة لهم، فأنت كاتب معروف وسيخف الجميع للسلام عليك.

وفي الحقيقة لم يلامس كلامه أوتار المواساة في قلبي، وإنما الثناء، إذ كنت في تلك اللحظة في حاجة إلى سلالم تصعدها روحي القابعة في الدرك الأسفل من الإحباط والتيهان.

أغراني ثناء الزميل على رسم صورة جميلة لمستقبلي في المؤسسة الجديدة، فإن لم يستقبلني مديرها العام، فعلى الأقل سيكلف نائبه لاستقبالي على مدخل المبنى على وقع الأهازيج الشعبية، ثم ستتقدم فتاة صغيرة إليّ وهي تحمل على ذراعيها مخدة عليها مقص، لأقص شريط دخولي إلى تلك المؤسسة وإعلاني في حفل بهيج عن مفاجأة انضمامي إليهم، وحينها سيُطلق الحمام الأبيض وستنطلق الزغاريد من حناجر الموظفات وسيهجم علي المعجبون للحصول على توقيعي، ثم سيصطحبني نائب المدير في جولة أتفقد خلالها سير العمل في المؤسسة.    

في أول يوم عمل، التقيت زميلة منقولة معي، ولاحظتُ أنها تردد اسمي كثيراً: كيف حالك أحمد؟ إن شاء الله ستكون أمورنا طيبة يا أحمد. ما زلت بديناً يا أحمد! يجب أن تخفض وزنك أحمد!

كانت هذه الزميلة لا تذكر اسمي مجرداً أيام العمل في المجلة، ربما لأنني رئيس التحرير، أو لأنني أكبُرها بسنوات.

لم أكن أبالي بالألقاب، وكان سواء عندي أستاذ أحمد أو أحمد أو حتى أحمدوه، بل كان "أستاذ" يشعرني بأنني عجوز أسير على عصا ولست فارس أحلام على حصان.

لم أجد تفسيراً لموقفها الذي أعجبني وأثار تعجبي في الوقت نفسه، فأنا لم أكن أشعر بأنني مميز عنهم في المجلة إلا بزيادة الوزن، ولم أكن أسدد أية نظرات فوقية لزملائي.

بعد أن أخذنا أماكننا في القاعة، أنا والأستاذة ومجموعة أخرى من أيتام المجلة، اكتشفنا أنها مقابلة جماعية للتعريف بالمؤسسة وطبيعة عملها، ويبدو أن أسماءنا ذهبت إليهم باللغة الإنجليزية، وأخذت مسؤولة التوظيف -وهي فتاة حسناء- تنادي الأسماء بشكل خاطئ بسبب نقلها من الإنجليزية إلى العربية، لكن الجميع عموماً سمع اسمه ورفع يده وصحّح طريقة نطقه.. إلا أنا، فقالت لي الموظفة وقد تورّد خداها: أنت أحمد عُمري؟!  

لم يجدوا مكاناً يمكن أن أفلح فيه إلا الإدارة الإعلامية بالمؤسسة، وهناك طلب مني مسؤولي المباشر تجزية الوقت بقراءة الجرائد إلى أن يتم تكليفي بالمهام الوظيفية. وبعد يومين، انتبه إلى وجودي الحلزوني متقوقعاً على جريدة، فطلب مني تفقد اللوحات الإرشادية الموجودة في طوابق مبنى المؤسسة، وفي الحرم المحيط به، للتحقق من عدم وجود أخطاء إملائية أو نحوية في عباراتها، "فأنت رئيس تحرير ولا بد أن تكون لغتك العربية سليمة".

في اليوم التالي، وبعد أن تأكد مسؤولي بأنني مخلص في عملي وأعشق وظيفتي الجديدة، كلفني بمهمة صياغة أخبار المؤسسة تمهيداً لنشرها في الصحف.

الدفعات الأولى من الأخبار لم تعجب مسؤولي، وأخذ يلمّح من بعيد أنني كنت رئيس تحرير مجلة، واعترض أحد المديرين على خبر كتبته بطريقة عادية وحقيقية عن "إنجاز" لإدارته، وقال إن ولده في الصف الخامس يستطيع كتابة مثل ذلك الخبر. ولم أنل رضاهم إلا بعد أن أتقنت فن خياطة الأخبار بالمط والتطويل والزركشة.

أصبحت جديراً بالثقة، فأنا أكتب ألف كلمة عن شيء يمكن قوله في سطر واحد، لذلك طلب مني مسؤولي التوجه لفندق "برج العرب" لتغطية وقائع حفل سيكرّم خلاله نائب المدير العام.

وهناك، التقيت مسؤولين آخرين وطلبوا مني ومن زميل بائس آخر، مرافقة نائب المدير أثناء نزوله من السلالم للتوجّه إلى منصة التكريم، فسيادته لن يحضر الحفل إلا وقت التكريم، وسيغادر بعد تسلّمه الشهادة المزخرفة.

كنت أراقب الحفل من الممر الذي يطل على بهو القاعة، وسرح تفكيري في أيام العمل في المجلة، والقيمة المضافة، والاستقبال الحافل، والمخدة التي تحملها الفتاة الصغيرة، والجولة التفقدية، حين حدثت جلبة وأخذ الجميع يفسح الطريق لنائب المدير العام الذي ألقى نظرة بطريقة "سكانر" علينا، وبدأ في النزول من السلالم بينما عريف الحفل يذكر اسمه، وكنت والزميل الآخر متأخرين عنه ببضع درجات نهبط السلالم خلفه، مثل الأطفال الذين يزفّون العروس ويسيرون خلفها وهم يحملون طرحتها.

لم أكن في حاجة إلى هذا الدرس من الفلك الدوّار، فقد كنت أعرف قيمتي من دون كل هذا اللف والدوران. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01