search
إصدارات
ارتباطات
ما يسمى بالربيع العربي
28/3/2013

زاد معدل استخدام عبارة "ما يسمى بالربيع العربي" في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وكذلك عبارة "الربيع المزعوم"، "وربيع الإسلاميين"، وأحياناً "الخريف العربي"، و"الفسيخ العربي"، وأخشى أن يأتي يوم يجرّم فيه استخدام عبارة "الربيع العربي".

وفي كل يوم يظهر المزيد من أفراد جماعة "ألم نقل لكم" الذين لا همّ لهم إلا التذكير بأنهم أول من أدركوا الحقيقة، بحثاً عمن يبصهم لهم بالعشرة على ذكائهم وحكمتهم وبُعد نظرهم. والغريب أن هؤلاء الحكماء الذين يبصرون ما وراء الأحداث لم يتنبؤوا بأي شيء قبل أن يشعل "البوعزيزي" النار في جسده.   

مشكلة هؤلاء الذين يتبرأون إلى الله من "الربيع العربي" أنهم يحاسبون هذه الحركة التاريخية بقانون الوسط المرفوع الذي عبّر عنه أبو فراس الحمداني بقوله: ونحنُ أناسٌ لا توسط عندنا، لنا الصدرُ دونَ العالمين أو القبرُ.

فإما أن يثمر ربيعكم أنظمة ديمقراطية مثل فرنسا، يشعر في ظلها المواطن بأنه مثل المواطن في سويسرا، وينعم بالرفاه كما ينعم به الفرد في النرويج، ويحاسب فيه أكبر مسؤول على القرش الواحد مثل كوريا الجنوبية، وإما ربيعكم هذا فوضى، وفتنة، وخراب.

ومن المعروف أن قانون الوسط المعروف قانون قديم تجاوزه الزمن، وربما كانت فكرة الشاعر صائبة في السباق، فتفوز أو تخسر، وفي الحرب، فتنتصر أو تهزم، وفي الدعوى، فتكسبها أو تخسرها. ربما لا وسط في مثل هذه الأمور، ولا درجات ولا منازل متفاوتة. لكن لا يمكن تطبيق هذا القانون على حركة تغيير هائلة اكتسحت كالطوفان ثلاث دول متجاورة، ودولتين أخريين، بعد عقود من الركود السياسي والفشل في الحكم.

وحين تخلع امرأة زوجاً عاشت معه سنين طويلة من الإساءة، فإنه من الحماقة سؤالها في اليوم التالي ولّما لم يجف حبر إمضاء القاضي: هل تعتقدين أن حياتك ستكون أفضل الآن؟ فما بالكم بتغيير في نظام حكم؟ هل من المعقول محاكمة التغيير بعد حدوثه بسنة أو سنتين بينما البلاد كانت تئن عقوداً تحت وطأة الاستئثار بالسُلطة وبالثروة واستشراء الفساد والقمع والبطالة والإحباط حتى تبدّلت القيم والأخلاق والمفاهيم والمعايير؟  

وينتظر صاحب البقالة إلى نهاية السنة المالية ليعرف إن كانت تجارته رابحة أم خاسرة، فكيف بحالة إسقاط أنظمة كانت تبدو أنها ستخلد إلى أبد الآبدين؟

وإذا سلمنا جدلاً بأن هذا "الربيع" هو أكبر حماقة ارتكبها العرب في تاريخهم، فما هو السبيل القويم الذي لم يسر فيه الشباب للتخلّص من طغاتهم وتحسين أوضاعهم واسترداد حقوقهم، وأهمها حق الحلم بالمستقبل؟

هل كان بن علي سيكتشف فجأة أنه غير جدير بحكم بلاده؟ هل كان مبارك سيجري انتخابات نزيهة وهو يعلم أن نهايته فيها؟ هل كان القذافي سيسلّم مفاتيح "الجماهيرية العظمى" لمجموعة من "الجرذان"؟ هل كان علي صالح سيتغير لله وفي لله وهو الذي لم يتغير بعد كل ما جرى ولا يزال يناور؟ هل كان بشار سيبكي تحت قبة البرلمان وينزل تحت حكم الشعب الذي يقصفه الآن بالأسلحة الثقيلة؟

بطبيعة الحال، لم تأتِ ردود الفعل القاسية على "الربيع العربي" من فراغ أو بدافع من الهوى، فهو فعلاً فشل في تحقيق الكثير من الوعود التي جاءت على لسانه، وتبخرت الكثير من الأحلام التي نسجها حوله، ولم يستفد منه أحد بقدر الإسلاميون الانتهازيون، ومع هذا، فليس من الإنصاف محاسبة الشجرة قبل موسم الحصاد.


Share |
|
|
|
ياسمين ملاح
20/5/2013 11:47 AM
صدقت و سلمت يمناك بارك الله فيك ،، من المبكر جداً ان نحكم على نتائج الربيع العربي في الوقت الحالي ،، لن اطيل . فمقالك اختصر الكثير من الكلام و ان شاء الله تثمر الشجرة ثماراً يانعة جميلة نتنعم بها كلنا
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01