search
إصدارات
ارتباطات
لمَ الجميع يدفع الثمن؟
2/5/2013

 

في إشارة إلى دور العرب في استضعاف لبنان وتحويله إلى مسلخ، يقول الكاتب سمير عطا الله: "وجعلوا منه (أي لبنان) مختبراً لأسلحتهم ونفوذهم ومشاريعهم، فإذا المختبر صورة لما سيحدث في بلدانهم ذات يوم".

ولا يعفي الكاتب في مقاله أبناء وطنه عن دورهم فيما حلّ ببلادهم من خراب، وما يهم هنا هو الوقوف على تلك الحقيقة الغائبة أو المغيّبة التي لا نحب أن نصارح أنفسنا بها، وهي أن من يحول بلداً ما مختبراً له، سيتحول بلده إلى مختبر. ويمكن التعبير عن هذه الحقيقة بألف طريقة: "ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره"، و"من زرع حصد"، و"من يزرع الشوك لا يجني الورد"، , و"كما تدين تدان"، و"من يَظلم يُظلم"، و"يداك أوكتا وفوك نفخ".. الخ.

ولا أجانب الصواب إذا قلت إن هذه الحقيقة أو المعادلة هي أكثر معادلة يعتقد الناس بصحتها، ويستشهدون بها في حياتهم ويفسّرون الأمور بناءً عليها، ومع هذا فإنهم يتناسون هذه المعادلة حين يجدون أنفسهم أمام الأحداث الجسام التي تمس البلدان والشعوب.

أما لمَ تغيب هذه المعادلة حين تسري على بلد بأكمله وشعب بأسره ويبدأ الجميع في دفع الثمن، فلأن بعضنا يتصور أن النظام الذي يزرع الشوك، هو وحده الذي ستدمى يديه، إذ الأفراد العاديون لم يكن لهم دور في رسم السياسات أو اتخاذ القرارات، وهم لم يزرعوا ليحصدوا.

لكن للتاريخ وجهة نظر أخرى، أثبت صحتها المرة تلو الأخرى. وإذا كان الاستشهاد بتاريخنا يسبّب الحساسيات، فإن تاريخ الأمم الأخرى معروض أمامنا ويمكن الاستشهاد به، إذ المعادلة واحدة تسري على الجميع.

يقول التاريخ إنه قبل أن تهدأ مدافع الحرب العالمية الثانية بشهور قليلة، نجح السوفييت في دحر القوات النازية من أراضيهم وزحفوا صوب ألمانيا إلى أن دخلوا برلين، وهناك اغتصب جنود الجيش الأحمر مئة ألف امرأة وفتاة، وبعد أن سيطروا على ما تبقى من الشطر الشرقي من ألمانيا، أضافوا مليوني ضحية جديدة.

ورغم فضاعة تلك الجرائم الجماعية وضخامة أرقام الضحايا، فإن المرء يمكن أن يفهم سبب ما جرى حين يعود إلى الصفحات السابقة من التاريخ، إذ تؤكد أن النازيين في سنوات انتصاراتهم كانوا ينقلون النساء والفتيات من روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء إلى ألمانيا للعمل القسري في مصانع إنتاج السلاح.. بعد اغتصابهن.

وقد يبقى فهم –لا تبرير- ما جرى عصياً على المرء، إذ ما ذنب الألمانيات بجرائم ارتكبها الألمان؟ لكن سحابة الغموض تنقشع إذا علم أن الألمانيات كنّ مهووسات بالزعيم النازي أدولف هتلر، لأنهن رأين فيه المثل الأعلى للرجولة، رغم أن هتلر عُرف باحتقاره المرأة واتهامه لها بالتفاهة.

والهوس، وهو الانجذاب المبالغ فيه، في شخص متطرف وعنصري قاتل مثل هتلر، يعني أن المهووس به يعتقد بصحة أفكاره ومعجب بأفعاله، ولو حظي بفرصة تقديم أي خدمة لهتلر، لما تأخر دقيقة واحدة. وبطبيعة الحال، فإن المهووس بشيء أو بشخص، لا ينفك يدافع عنه ويذكر محاسنه ويبرر له أفعاله، ومن ثم يصبح شريكاً له فيما يفعل، ليدفع الثمن بعد ذلك بمقدار مشاركته، لا أكثر ولا أقل.

وحين يجد المرء نفسه في وسط الظلام، فإن ذرف الدموع أو لوم النفس لن يخرجه من ورطته، وإنما عليه أن يفهم كيف دخل هذا المكان، لعله يستضيء بنور الفهم ويلتمس طريق الخروج.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01