search
إصدارات
ارتباطات
خيوط الصمت
11/5/2013

أليس عجيباً أن تخصص كتب التراث فصولاً كاملة لفوائد الصمت! إذ كيف يمكن أن يصمت الإنسان؟ وهل يمكن أن ينزح إنسان إلى مخيمات الصمت ما لم يكن مريضاً نفسياً، أو مثقلاً بمصيبة، أو متبرّماً من جلسائه؟  

بعد الصمت والتحري، اكتشفت أنه يمكن للإنسان أن ينقلب من راديو إلى مسجل وهو بكامل قواه العقلية والنفسية، وفي ذروة السعادة بين أهله وأصدقائه، وكل ما عليه فعله هو أن:

(1) يقعد مستمعاً على دكة الاحتياط ما دام الحديث لا يعنيه، كأن يكون النقاش حول مباراة كرة قدم وهو يكره المستطيل الأخضر وكل ما ومن يجري فوقه.

 (2) أن يبتلع المعلومة التي قفزت إلى رأسه ما دام ليس متيقناً من صحتها، أو لا يعرفها كما يعرف اسمه، فالمعلومة ليست رأياً ليقول: إنني أعتقد أنها كذا.

(3) أن يترك جليسه يتحدث إن انطلق في شرح مسألة هو متبحّر فيها، وأن يشعره بأنه يقف على شاطئ المسألة ولا يعرف السباحة فيها.

(4) أن يتخيل نفسه أمام التلفزيون يتابع برنامجاً حوارياً إن أخذ جلساؤه في تحليل قضية ما، كوجود الماسونية من عدم وجودها، ولم تكن لديه معطيات معقولة للمشاركة. وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يشارك السادة المحللين في الاستديو إن كان قابعاً في بيته.

(5) أن يقف بعيداً إذا تحدث جلساؤه عن موقف اتخذه شخص أو وزارة أو دولة، ولم يكن يعرف أبعاد اتخاذ ذلك الموقف، وأن ينظر كيف يصنع القوم الأبعاد من خشب الظن ومسامير الوهم. 

(6) أن يقعد في المقاعد الخلفية ويشاهد جلسائه إن لاحظ أنهم لا يتناقشون وإنما يستعرضون ثقافتهم أمام بعضهم بعضاً، وأن لا ينسى أن يصفق لهم بين الحين والآخر.

(7) أن يُحكم الإمساك بمسند الكرسي إن وجّه أحدهم سؤالاً لآخر، لئلا تندفع يده لجذب المايكرفون من يد الشخص المسؤول والإجابة بدلاً عنه، كما يفعل ثلاثة أرباع البشر.  

(8) أن يترك جليسه يتحدث ما لم يكف عن الثرثرة طواعية، حتى لو استمر ذلك 24 ساعة. ويحق له أن يتركه بعد خمس دقائق ويهجر البلد الذي يعيش فيه، لكن لا يحق له مقاطعة حديث صاحبه.

(9) أن يغلق عليه باب التحذير لئلا يخرج مثلهم يرمي الحجارة إن أخذوا في إدانة شخص ما، وراحوا يتبادلون التحذير من فعلته، وكان في الحقيقة يفعل مثل ذلك الشخص المدان كلما دخل غرفته.

(10) أن يمتنع عن توجيه النصائح، إذ إن نصف كلام المجالس نصائح يتبادلها الجلساء وأهداف يسجلونها في مرمى بعضهم بعضاً، فإذا امتنع عن اللعب معهم وضدهم، فإن نصف ما كان يقوله سيذهب إلى سلة المهملات الموجودة في رأسه.

(11) أن يتذكّر أنه ليس مكلفاً من قِبل السماء لإرشاد الناس، وأن إصلاحهم ليس من مهام عمله في هذه الحياة، وأن مسؤوليته تنحصر في إصلاح نفسه، ثم إصلاح أهل بيته إن نجح مع نفسه، إذ لا يمكن لميكانيكي يستلقي أسفل سيارة يحاول إصلاحها، أن يمد يده لإصلاح سيارة أخرى.

(12) أن يكون القصد من السؤال الذي يطرحه هو النهل من علم من يسأله، لا لإظهار فضله هو، إذ إن نصف الأسئلة التي تطرح في المجالس هي من نوع: من المعروف أن الإيطالي ليوناردو دافينشي وُلد في أبريل من سنة 1452 ميلادية، وكان رساماً ونحاتاً ومعمارياً وعالماً، وأن لوحة "العشاء الأخير" هي باكورة أعماله، وأن لوحة "الموناليزا" هي أشهر أعماله على الإطلاق، لكن لهذه اللوحة اسم آخر، فهل تعرفه لأن معلوماتي متواضعة ولا أعرف الكثير عن هذا العبقري الذي توفي عن عمر يناهز الـ 67 عاماً؟

(13) أن يتوقف عن المشاركة في الحديث إن لاحظ أن الجلسة تحولت إلى جدال ومكابرة واصطياد في الماء العكر وضرب تحت الحزام.

(14) إن يقبل رأي من يسأله في أمر يخصه هو، كمقال كتبه، وأن لا يحاول إقناعه بخطأ رأيه إن لم يعجبه، فهو سأل صاحبه أن يبدي رأيه لا أن يكرر صاحبه رأيه على لسانه. يستطيع أن يسجل في هاتفه المتحرك هذه العبارة بصوته: "بصراحة لم أقرأ أجمل من هذا المقال في حياتي"، ثم يتلذذ بالاستماع إلى هذا المقطع الصوتي كل يوم.

من يجرّب هذه الوصفة في جلسة أو جلستين، مصغياً إلى ما يقال، وكيف يقال، ولم يقال، ومتى يقال، سيلاحظ أن الصمت ينسج خيوطه حول فمه، لأنه لن يجد شيئاً يقوله إلا السلام عليكم.. الحمد لله أنا بخير.. كلا، أفضّل القهوة.. مع السلامة.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01