search
إصدارات
ارتباطات
كيف تترك التدخين والقهوة؟
4/5/2013

كُتب علي أن أعمل في مكتب يقع في الممر نفسه الذي يقع فيه مكتبه، وكُتب أيضاً أن يكون مكتبه في بداية الممر، وكُتب أيضاً أن تكون طاولته في مواجهة مدخل مكتبهم، وكُتب أيضاً ألا يكون مصاباً بالعمى، فيلمحني كلما مشيت في الممر حاملاً كوب القهوة معي، ويتهلل وجهه ويعطيني تلك الابتسامة اللعينة، ثم يسرع خلفي ويبدأ من الممر:

ــ نحن هنا.

فألتفتُ خلفي كأنني قد فوجئت به، في حين أنه فعل الأمر نفسه، وهتف الهتاف نفسه، مليون مرة خلال سنوات الصبر على ثرثرته، فأقول بتكلف:

ــ أهلاً.

ــ جهاز الكمبيوتر الذي أعمل عليه يعاني خللاً في هذا اليوم. الجهاز الموضوع على طاولتي بطبيعة الحال.. لست مسؤولاً عن الكمبيوترات الأخرى في العالم، وهذا آخر شيء يمكن أن أفكر فيه.

وعلى سبيل المجاملة أسأله:

ــ ما مشكلته؟

ــ باختصار شديد، كلما حاولت طباعة ورقة من الأوراق التي أطبع مثلها الكثير في اليوم الواحد، تجمد مؤشر "الماوس" في مكانه، ولا يعود الجهاز يتفاعل بالمرة، فأضطر إلى إغلاقه ثم إعادة تشغيله من جديد.. أنت بالطبع تعرف ما الذي أقصده من تجمد المؤشر ودخول الشاشة في حالة البلادة؟  

ــ أعرف تلك البلادة جيداً.

ــ المشكلة أنني أضطر إلى تشغيل الجهاز من جديد، فلا يمكن أن أغلقه ثم لا أعيد تشغيله، فأنت تعرف طبيعة عملي والمهام الكثيرة التي علي إنجازها. في حالة واحدة يمكن أن أغلق الجهاز ولا أعيد تشغيله..

وحين لا أعقب ولا أسأل عن تلك الحالة، فإنه يضيف:

ــ وهو أن أغلقه وفي اللحظة نفسها يصلني قرار إنهاء خدماتي وفصلي من العمل. ففي مثل هذه الحالة، لن أطبع أي ورقة، لأنني سأترك العمل فوراً، إلا إذا طلبوا مني تصريف الأعمال المتبقية تحت يدي، في هذه الحالة فقط قد أعيد تشغيل الجهاز لأطبع الورقة على الرغم من إنهاء خدماتي.

نلقي التحية ونحن نسير إلى خارج المبنى على زملائنا الموظفين، وما إن نبدأ في إشعال سجائرنا يواصل:

ــ لا أعرف ما هو شعور الموظف حين يتسلّم قراراً فجائياً بإقالته. لكنه شعور مزعج بطبيعة الحال، هل أنت تؤيدني في هذا؟

ــ في أي شيء بالضبط؟

ــ في الشعور بالإنزعاج الذي ينتاب الموظف حين يتسلّم بيده تلك الورقة البيضاء التي تعلوها شعار المؤسسة وتكون مذيلة بتوقيع المدير العام، وتتوسطها عبارة: إنهاء خدمة.

ــ بالطبع.

أبدأ في سحب نفس من السيجارة وأنا أسدد نظرات إلى مبنى العمل، وأتمنى لو يميل بطوابقه الثلاثة في الجهة التي نقف فيها، ويهوي على رأس زميلي لأتخلص منه، بينما هو يقول بلا سبب:

ــ هناك فرق كبير بين امتحانات المدرسة وامتحانات الجامعة، ففي أيام المدرسة تجلس في الصف مع زملائك وتتعاونون –بين قوسين- فأنت زميل لهم، وهم زملاء لك، بل قد تكونوا أصدقاء وليس مجرد زملاء.. هل هذا صحيح؟

ــ ماذا بالضبط؟

ــ يبدو أنك شارد الذهن.. هل صحيح أن بعض زملاء المدرسة يكونون أصدقاء أيضاً؟

ــ نعم صحيح.

ــ لكن في امتحانات الجامعة يكون الوضع مختلفاً، فأنت تجلس بالقرب من الطلبة حسب الحروف الأبجدية، وليس أصدقائك الذين تعرفهم ويعرفونك، فمثلاً من اسمه فريد، فإن الطالب الذي يجلس أمامه يكون اسمه فيصل، ومن يجلس خلفه اسمه فاضل، وفيصل وفاضل ليسا أصدقاء لفريد، فالجلوس يكون بالحروف الأبجدية في قاعات الامتحان في الجامعات. بالطبع أنت تذكر هذا الوضع؟

ــ نعم أذكره.

ــ وحين تجلس بالقرب من أشخاص لا تعرفهم وكل الذي يربطك بهم هو الحرف الموحد بين بداية أسماؤكم، فإن تبادل المعلومات –بين قوسين- يكون صعباً.

عند هذه النقطة أطرح كوب القهوة الكرتوني أرضاً، وأسحب الأنفاس الأخيرة من سيجارتي بسرعة، وأبدأ في السير نحو مدخل المبنى:

ــ حسناً فعلت البلديات حين منعت استخدام الأكواب البلاستيكية التي ثبت تسببها في أمراض السرطان. إن مجتمعنا من أكثر المجتمعات التي تتفشى فيها أنواع مختلفة من السرطانات والأمراض الخبيثة.. ما رأيك أنت؟

ــ في أي شيء؟

ــ في منع استخدام الأكواب البلاستيكية لأنها تسبب السرطان.

ــ حسناً فعلوا.

ــ لكن للدقة، فإن تلك الأكواب لا تشكل خطراً على الصحة إلا إذا استخدمت في المشروبات الساخنة، بمعنى أن استخدامها في تناول مشروبات باردة، مثل الماء، والعصائر بجميع أنواعها، لا يسبب ضرراً.

ولأن حديث مدخن عن أضرار استخدام الأكواب البلاستيكية أمر يغيظ، فأقول:

ــ عموماً، سيجارة واحدة تسبب ضرراً أكبر من تناول ألف جالون من الحمم البركانية في مليون كوب بلاستيكي، وقد قررت منذ هذه اللحظة الإقلاع عن التدخين، والتوقف نهائياً عن شرب القهوة.

ــ هه.. هكذا لن نلتقي كثيراً.. حرام عليك يا رجل.. عموماً هذا أفضل قرار يمكن أن يتخذه أي مدخن في العالم. ويضيف بينما يهمُّ بدخول مكتبه:

ــ سأتأكد من الكمبيوتر الذي أعمل عليه، إن كان ما يزال معطلاً، سأزورك في مكتبك لنواصل حديثنا.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01