search
إصدارات
ارتباطات
حياة المطبات
25/5/2013

ستنهال علي اللعنات 50 سنة على أقل تقدير، أو إلى أن يخرب الشارع الذي أقيم فيه، فقد اتصلت بهيئة الطرق والمواصلات بدبي أطلب إقامة مطبّ اصطناعي أمام منزلي، فأخبرتني الموظفة بأنه علي تقديم طلب خطي بذلك.. وتقدمت بالطلب، وفي انتظار المطب.

كنا ننعم بالهدوء وراحة البال قبل تعبيد الطريق الذي يطل عليه بيتي، إذ كانت الحفر والصخور ومخلفات البناء والأسياخ الحديدية المطمورة بالكامل تحت الرمال سوى رؤوس حادة منها، كفيلة بتفكيك براغي وتمزيق إطارات أي سيارة تسير مسرعة أو يمارس صاحبها الاستعراضات الجنونية.

كانت السيارات تحتاج إلى ساعة ونصف الساعة لتقطع المسافة من بداية المنعطف إلى حيث يقع بيتي، وكنت أخرج من منزلي بالسيارة عائداً إلى الخلف بطمأنينة، والآن يمكن قطع هذه المسافة في نصف ثانية: شارع طويل معبّد يخلو من أية عوائق، وفي كل خروج من المنزل هناك مشروع لحادث اصطدام، وفي كل لحظة أتخيل سيارة اصطدمت بجدار منزلي واستقرت أمام سرير نومي. أما دوي المحركات "المزودة" فلا يتوقف، والآثار الدائرية للإطارات على الشارع تزداد كل يوم كأثر يحب أن يتركه هؤلاء الأباليس.

لكن بعد أيام سيفاجئ هواة التسابق والاستعراض بوجود مطب كبير جداً أمام بيتي، وسيبدأ الجيران بالمطالبة بالمطبّات بدورهم، وبعد فترة سيتحول الشارع إلى أمواج من المطبات، وستضطر السيارات إلى تخفيض سرعتها والصعود والنزول وإرسال اللعنات لمن سنّ هذه السُنة.  

بعد سنة سيتصل شخص محترم ببرنامج البث المباشر يشكو من كثرة المطبات، وسيقول إن المطبات يفصل بينها الشارع وليس العكس، لكن المذيع سيرد بأن المطبّات تحد من السرعة وتمنع المتهورين من ممارسة هواياتهم في الأحياء السكنية، لكن المتصل سيقول: وما ذنب السائقين الملتزمين؟

كل ما نعانيه في هذا العالم يا صديقي الملتزم سببه غير الملتزمين، وكل شيء يبدأ يسيراً ومريحاً ومن دون عوائق، لكنه ينقلب إلى صعوبة وإزعاج وتعطيل بسبب أعداء الالتزام بالقوانين والتعليمات.

أذكر قبل سنوات كانت توجد فتحة انعطاف على شارع العوير الذي يؤدي إلى "سوق التنين"، وكنت كلما مررت على هذا الشارع مستخدماً الفتحة التي تختصر الطريق، يممت وجهي شطر منطقة الورقاء التي تقع في قبالة السوق، إذ كنت أعلم أن أرضي ستكون في هذه البقعة المباركة، وقلت: هنا سأبني بيت المستقبل.

لكن حين بدأت في بناء منزلي، فوجئت بالفتحة وقد سدّت بسبب غير الملتزمين الذين كانوا يخرجون منها من دون التأكد من خلو الطريق، فيتسببون في وقوع حوادث مروعة، وأصبحتُ أحتاج إلى قطع مسافة 15 كيلومتراً إضافية لأصل إلى دوار "السوق الصيني" وأعود منه.

وإذا كنت أسكن في هذا المنزل منذ 7 سنوات، وأمرُّ على هذا الشارع أربع مرات يومياً، فهذه 10 آلاف مرة قطعتْ فيها سيارتي المسكينة على هذا الطريق نحو 150 ألف كيلومتر، واستهلكتْ 36 ألف درهم تقريباً كوقود، وأخذت من عمري خلال سبع سنوات 52 يوماً كاملة، لا شغل لي سوى الذهاب والعودة من ذلك الطريق.

كل هذا الهدر في الوقت والجهد والمال بسبب ثلة من غير الملتزمين، الذين مات بعضهم بسبب تلك الحوادث، وسدُت القبور عليهم، وسُدّت الفتحة أمامنا. فلم تغضب من مطبي يا صديقي؟

وأذكر في سنة 2002 أننا حجزنا تذاكر سفر إلى تركيا، وبعد أن ترصّصنا في بنطلونات ضيقة، وحملنا أمتعتنا وذهبنا إلى المطار ونحن نلقن أطفالنا أصول التعامل مع الأتراك، وأذكر أنني قرصت ابني كإجراء احترازي لما قد يفعله في اسطنبول، فاجئتنا مسؤولة شركة الطيران بأن زيارة تركيا تحتاج إلى تأشيرة مسبقة، وأن هذا الإجراء اتخذ قبل أسابيع قليلة، ولم يكن المغفل الذي اشترينا منه التذاكر يعلم بذلك، لكنه كان يعلم ومعه سكان المعمورة بأن جماعة ما ضربت أبراج نيويورك مؤخراً، وأن موجة من التضييق على التنقل بين الدول حصلت على إثر ذلك، فألغيتُ رحلتنا وعدنا إلى بيوتنا ونحن نتساءل: وما ذنب من لا يفكر في اختطاف الطائرات؟ وما ذنب من يتحاشى قتل نمل واحدة؟

وفي مطار ميونيخ في سنة من السنوات وقفت مثل الآخرين انتظر دوري لإجراء التفتيش اليدوي قبل الصعود إلى طائرة العودة، وفوجئت بالمفتش يطلب مني خلع قميصي وحزام بنطالي، فخلعت الحزام وبدأت في فك أزرار قميصي، بينما زوجتي تهمس في أذني بالتوقف، وانتبه المفتش لذلك وأشار بأن أبقي قميصي عليّ، معتقداً بأنني أرغب في تبادل القمصان معه كنوع من التذكار، ثم عدت إلى الواقع وتذكرت بأنه لم يطلب مني خلع قميصي، إذ سرحت بخيالي في تلك اللحظات وتذكرت غزوة "منهاتن".

فهل يرضيك يا صديقي الملتزم أن أخلع قميصي وتظهر شرائح من بطني أمام الناس؟ فلولا التفجيرات لما كان هذا التشديد في إجراءات التفتيش، ولولا هذا التشديد لما ارتبكت، ولولا هذا الارتباك لما ظهرت أمام جموع المسافرين كأنني غوريللا، ثم تلومني لأنني تسببت في وجود مطب واحد أمام منزلي؟!

لو كان الجميع ملتزماً بكل شيء، لما احتجنا إلى أي ورقة أو مستند أو شاهد أو حواجز أو إشارات أو فواصل أو جدران، ويكفي ألا يلتزم شخص واحد ضمن مليون شخص، ليتغير كل شيء بسببه، فـ"دعْ عنك لومي" يا صديقي.   

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01