search
إصدارات
ارتباطات
لعنة التغريد
1/6/2013

كان يفترض أن أكتب هذا المقال على شكل عبارات مقتضبة من 140 حرفاً وألقي بها في "تويتر"، لكن كيف يكون المشكو ضده هو نفسه المشكو إليه؟! لن يسمع شكواي إلا قرّاء الصحيفة الذين لن يفكروا في الرد علي، إذ وسيلة التواصل بيني وبينهم – ولله الحمد- تتخللها إجراءات طويلة، وليست بكبسة زر.   

أنشأتُ حساباً في هذا الـ"تويتر"، وشعرت في البداية بأنني سأترك الحياة الواقعية للمجانين وأنتقل للعيش في هذا العالم الافتراضي مع العقلاء، لكن مع كل تغريدة أرسلتها أخذت حماستي تفتر ومعنوياتي تهبط، وما زلت أمعن في الهبوط.

العيب القاتل في "تويتر" أنه موقع للتواصل، تكتب وتتلقى الرد، وهو عيب لا يمكن إصلاحه، وهو مثل أن نقول إن عيب السيارات هي أنها وسيلة نقل.

إليكم نماذج من تغريدات متخيلة وتعقيبات متوقعة، أو ما يسمى "التواصل"، لتعرفوا أي مصيبة أوقعتُ نفسي فيها:

(1) "منظر الغروب يثير في النفس ذكرى الأيام الخوالي".

وهذه تغريدة تعبّر عن مشاعر شخصية، فبعضهم قد يسيل لعابه كلما رأى منظر الغروب، لأنه يذكره بالإفطار الشهي على موائد رمضان، لذلك فالتغريدة لا تعبّر عن مشاعر مشتركة بين جميع البشر، كقول أحدنا إن الذي يحصد المركز الأول يشعر بالفرح. لكن مع هذا تأتيك هذه التعقيبات:

- مع احترامي لك، لكنني لا أتفق معك في ذلك.

- أعتقد أن التحديق في القمر هو الذي يذكرنا بالأيام الخوالي.

- هل هناك دليل على ما تقول؟

ـ أين المصدر؟

وبطبيعة الحال، أنت ملزم بالرد على تلك التعقيبات لئلا تبدو في أعينهم متكبراً تعتقد أن من واجبك أن تقول، ومن واجبهم أن يسمعوا. وبطبيعة الحال أيضاً، مع كل رد على تعقيب، يأتيك تعقيب على ردك، وهكذا إلى أن تقوم الساعة أو يتفضل أحدهم ويدمر موقع "تويتر" تدميراً.

(2) "ما أقسى اللقاء بعد طول غياب".

وهي تغريدة عاطفية قد تكون كتبتها بعد لقاء حصل فعلاً، لكنهم يردون:

-  القسوة ليست في اللقاء بعد غياب، وإنما في قلب من تعمد طول الغياب.

ـ بالعكس، ما أحلى اللقاء بعد طول غياب.

ـ الأصح أن تقول: ما أقسى اللقاء بعد طول الغياب، لأن "غياب" ظرف زمان مبني على المجهول، وعلامة الجهل به "اللام".

(3) "كلما اقتربتُ من كلب شعرتُ بأنني أمام أسد".

وهي تغريدة تعبّر عن تجربة ذاتية، فأنت قد تعاني رهاب الكلاب بسبب مواقف تعرضت لها من جماعة "هو هو" في طفولتك، بينما غيرك ينام على سرير واحد مع كلب ويتبادل معه القُبل، لكن قد تتلقى هذه التعقيبات:

ـ شتان بين الأسد والكلب.

ـ أثبتت الدراسات والأبحاث أن الكلب لا ينتمي لفصيلة السنوريات وإنما إلى فصيلة الكلبيات، فالتغريدة خاطئة من وجهة نظر العلم.   

ـ وما المطلوب منا فعله؟!

(4) "من المستحيل أن يعطس الإنسان وهو نائم".

وهذه تغريدة تحمل معلومة، وحتى لو أضفت إلى التغريدة رابط موقع إلكتروني موثوق به نشر المعلومة، فإن أهل الفراغ الذي يولد التعقيب يردون:

ـ لا شيء مستحيل في هذه الحياة.

ـ من المعروف أن المستحيلات ثلاثة، وليس من بينها العطاس أثناء النوم.

ـ هل جربت ما تزعم استحالة حدوثه، فلم يحدث؟ أم مجرد تغريد والسلام!

(5) "أعتقد أن شارع الرياض من أجمل الشوارع، ويقع على جانبيه أهم المرافق والمباني الحكومية: حديقة، ومستشفى، وإذاعة وتلفزيون، ومحاكم، ونيابة عامة".

وهذه تغريدة لمشاهدات وتقييم شخصي، وشارع الرياض المقصود يقع في دبي، وأنت مغرد إماراتي، حتى سكّان القمر يمكن أن يعرفوا ذلك من غترتك وكندورتك، لكن لا تتعجب إن جاءتك هذه التعقيبات من مغردين يعيشون في دول أخرى:

ـ بالعكس، شارع الرياض مقفر وغير معبد.

ـ في الرياض آلاف الشوارع، فأي شارع هذا الذي يقع على جانبيه كل تلك المرافق والمباني؟!!

(6) "أحبُّ من الطعام البرياني، ومن الشراب الشاي".

وهذه تغريدة نابعة من أعماق بطنك، وهذا ذوق حُليمات لسانك، لكنك لن تسلم ممن هم أقرب إلى بطنك منك، فتجد هذه التعقيبات:

ـ بالعكس، المندي ألذ، والقهوة أطيب.

ـ لا أعتقد أن البرياني أفضل الأطعمة، ولا الشاي.

ـ من قال لك ذلك؟!

(7) "أقنعة ووجوه.. مقال رأي.. أرجو الضغط على الرابط الإلكتروني لقراءة المقال".

وهذه تغريدة تروج لمقال كتبته، وفي الغالب المقال يتخطى حاجز الـ 400 كلمة، وهذا يعني أنك بسطت فكرتك على كلمات كثيرة لتوصل المعنى.

ومع هذا، يصلك تعقيب من أحدهم يعارض فكرة المقال، فترد عليه موضحاً، فيطلب المزيد من التوضيح، وهكذا تظل تكتب في كل مرة تغريدة من 140 حرفاً لتوضح فكرة مقال مكتوب بآلاف الأحرف.

ومتى ما سئمت من هذا العبث وطلبت من صاحبك العودة إلى المقال لقراءته بذهنية أخرى، أو استأذنت بأدب في عدم مواصلة "الحوار"، وكتبت بالحرف الواحد: يبدو أنني لم أوفق في توضيح فكرتي، وبما أنني عجزت عن ذلك باستخدام آلاف الأحرف، فإنني أكثر عجزاً عن توضيحها بـ 140 حرفاً، فإنه يرد: لم تخاف الحوار يا مدعي الثقافة؟ لم تخشى المواجهة؟ أتحداك أن تقنعني بالفكرة! لا تبرر، لا توضح، لا تشرح، فقط اقنعني!


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01