search
إصدارات
ارتباطات
العميل يدفع الثمن
8/6/2013

كنت أعرف منذ لحظة اتخاذي القرار غير الحكيم بدخول السوق أنني سأحتاج إلى ورقة، أو توقيع أو ختم من كل مبنى ترفرف فوقه أعلام الدولة، لكنني هوّنت الأمر على نفسي بأنني لست على عجلة من أمري، وبأنني سأباشر العمل، ومتى ما سنحت لي الفرصة مررت على جهة حكومية ما وأنجزت المطلوب.

أول شيء فعلته هو استئجار مكان لمزاولة النشاط فيه، لكن المالك رفض تسليمي المفتاح ما لم أسلمه نسخة مصدقة من عقد الإيجار من قِبل البلدية، وعرفت أن أمامي شوطاً طويلاً إلى أن أصل إلى البلدية، وأن أول شيء هو الحصول على ورقة بعدم ممانعة لمزاولة المهنة من الجهة التي تنظم هذا النشاط.  

في اليوم التالي اتجهت لمحل مفروشات واخترت أثاثاً لمكتبي، وفي الطريق مررت على الدائرة الاقتصادية، وسلمتهم ورقة عدم الممانعة لأتسلم منهم الاسم التجاري، والرخصة المهنية، والسجل التجاري، والتي بموجبها أحصل على تصديق البلدية، وبعد قيل وقال، ورسوم وتصوير، وزيارة تفتيشية للمكان الذي استأجرته، حصلت على الاسم التجاري، واعتقدت أن بقية الشهادات ستخرج بعد قليل من طابعة الموظف، لكنه طلب مني الحصول على صندوق بريد ورقم هاتف وفاكس، لتوضع على الرخصة كعناوين لها.

حصلت على صندوق بريد من البريد المركزي، وكنت أتوقع أن سلسلة الإجراءات ستنتهي على أعتاب شركة الاتصالات، فهذا قطاع خاص يقطع سلسلة القطاع العام، لكنهم طلبوا مني بطاقة منشأة الهجرة، وختم للمؤسسة التي أسستها على الورق، وذلك حتى أتمكن من الحصول على خطي هاتف وفاكس، وكدت أن أدخل في عراك مع الموظف المعني، فما علاقة هذا بذاك؟!

حركت أقدامي وذهبت لإدارة الهجرة والإقامة، لكنهم طلبوا شهادة عضوية غرفة التجارة. لا حول ولا قوة إلا بالله، يبدو أنها سلسلة إجراءات ومعاملات لا يمكن تخطي أي واحدة منها، ولن أتسلّم مفتاح المكتب ما لم أنجزها كلها في وقت واحد.    

وفي غرفة التجارة والصناعة، كنت أعرف أن الورقة الثمينة التي أنتظرها ستفتح الآفاق أمامي، فبموجبها سأحصل على بطاقة منشأة الهجرة، التي بموجبها سأحصل على رقمي هاتف وفاكس، الذي بموجبهما سأحصل على الرخصة التجارية، التي بموجبها سأحصل على تصديق عقد الإيجار من قِبل البلدية، الذي بموجبه سأتسلّم مفتاح المكتب، الذي بموجبه سأفتح باب المكتب وسأدخل إلى الحمام وأقف أمام المرآة أبكي على اليوم الذي تركت فيه العمل الحكومي وقررت دخول السوق.

وبدأت مرحلة "سلّم تستلم"، فسلّمت عضوية الغرفة وتسلّمت بطاقة المنشأة، وسلّمت بطاقة المنشأة وتسلّمت رقمي الهاتف والفاكس، وسلّمت الرقمين وتسلّمت الرخصة التجارية، وسلّمت الرخصة في البلدية وأنا متفائل بالسلاسة التي أنجزت بها كل شيء، وقبل أن يرفع الموظف الختم ليطبعه على الورقة، سألني وهو يقلب الأوراق: أين رقم حساب الاشتراك لدى هيئة المياه والكهرباء؟ بعد الحصول على المطلوب، ختم الموظف وأخذت النسخة المصدقة من عقد الإيجار وسلمتها للمالك، وتسلّمت المفتاح وتنفّست الصعداء ودخلت مكتبي وأجبت على الاتصالات الكثيرة التي كانت تنهال على هاتفي المتحرك خلال الأيام الماضية من محل المفروشات، لكنني لم أكن أرد عليها، واعتذرت بأنني كنت مريضاً وقلت لهم بأنه يمكنهم جلب الأثاث وتركيبه في المكتب.

وبطبيعة الحال، فإنني كلما ذكرت فعل "حصلت"، أو "سلمني"، فإن هذا يتضمن أيضاً رسوم وتأمينات عجيبة وغريبة. كما أن كل "حصلت"، وكل "سلمني"، يحتاج لحدوثهما يوم عمل واحد على الأقل، فليست هذه الجهات متلاصقة بعضها ببعض، وليست الشوارع خالية لأمر عليها وأتنقل من مكان إلى آخر في موكب بهيج، وليس الموظفون في حالة تأهّب لخدمتي خصيصاً.  

بعد يومين اتخذت قراراً غير حكيم آخر بتوظيف شخص يعد لي الشاي والقهوة في المكتب الذي لا أفعل فيه أي شيء سوى تصوير الأوراق الكثيرة التي أصبحت بحوزتي، ومسحها ضوئياً، وإرسال صورها إلى جميع الأجهزة الإلكترونية التي أملكها، لأكون مسلحاً بكل ما هو ضروري لأي إجراء حكومي يواجهني.

أحتاج إلى شاي بعد كل هذا الذهاب والإياب، وسألت وقيل لي إن أول إجراء هو الحصول على بطاقة منشأة العمل. وفي مكتب العمل، دخلت وأنا أجرّ كرتون بداخله كل الأوراق المطلوبة، فكان أول سؤال هو: هل لديك بطاقة توقيع إلكتروني؟ ثم هل لديك صورة لوجهك؟!

خرجت وعدت ودخلت وجلست وسلّمتهم المطلوب، وقبل أن تضغط الموظفة زر "اطبع" للمعاملة، سألتني من باب الفضول: هل اعتمدت توقيعك لدى وزارة العمل؟ فهذا إجراء يسبق إجراء بطاقة التوقيع الإلكتروني، فاعتمدتُ توقيعي ثم حصلت على البطاقة الثمينة، وصار بإمكاني توظيف الأشخاص.

عدت إلى المكتب، وبدأت أغني بصوت عالٍ وأتلذذ بالاستماع إلى صدى صوتي في هذا المكان الخالي إلا من طاولة وكرسي، ثم أعددت كوب شاي ورحت أرتشف منه ببطء وأفكر في العملاء الكرام مستحضراً أيام التنقل بين كل تلك الأماكن، ورحلة البحث عن موقف لسيارتي، ومشاوير المشي تحت الشمس الملتهبة، وساعات الانتظار، و"حركات" بعض الموظفين، والرسوم التي دفعتها، والتأمينات التي سددتها، والأوراق التي صورتها، ثم تبسّمت بمكر وقلت: سأجد من يدفع الثمن.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01