search
إصدارات
ارتباطات
السيد ميموري و"مول" النهاية
18/6/2013

في سنة 2100 أصغى المليارات من البشر عبر أجهزة كمبيوتر بحجم إصبع اليد إلى الخطاب الذي ألقاه السيد هارديسك ميموري، الرئيس الأعلى لـ"شبكة الإنترنت العالمية"، والذي أعلن فيه عن بدء حقبة جديدة في تاريخ البشرية يرتبط فيها الجميع بالإنترنت، لكنهم وضعوا أيديهم على قلوبهم حين أطلق تهديده الشهير: "لن أسمح بوجود أي كائن بشري خارج الشبكة، وسأمنحكم فرصة أسبوع واحد فقط لتتخلصوا فيه من هذه الشرذمة، وإلا فإنني سأوقف الإنترنت في كل مكان، وسأنهي هذا العالم الافتراضي بكبسة زر واحدة".

كان عدد البشر قد ناهز على العشرين ملياراً، وكان مليار واحد منهم تقريباً يعيشون في أماكن مختلفة من العالم يرفضون فكرة الإنترنت رفضاً قاطعاً، ويفضّلون العيش في محميات طبيعية على العيش الافتراضي داخل المنصات الإلكترونية.

احتشد الملايين من الأعضاء أمام جميع مطارات العالم وهم يحاولون اقتحامها للصعود على جميع الطائرات الموجودة وإرغامها على الطيران نحو مدينة بوسطن، حيث توجد الأجهزة الرئيسية لشبكة الإنترنت، للضغط على رئيسهم الأعلى وإجباره على التراجع عن تهديده بإنهاء الإنترنت من الوجود.

وفعلاً، وصل الملايين من الناس خلال أيام إلى بوسطن، إذ لم يكن هناك دول أو حدود، وإنما مدن تدار بالإنترنت. لكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى السيد ميموري، بل إنه أخذ يلقي المزيد من الخطابات من أماكن مجهولة، مذكّراً بساعة الصفر، وأن زر إنهاء الإنترنت موجود لديه في حقيبة يحملها. وكان كل يوم يمر، تتوتر فيه الأعصاب أكثر، ويتوافد المزيد من الناس على المحميات الطبيعية مصطحبين معهم أشخاصاً يفهمون اللغات القديمة لإقناع الأشخاص غير "الإنترنتيين" بالانضمام إلى الشبكة.   

كانت فلسفة السيد ميموري تقول إن الذي يرفض الحياة الافتراضية التي منحتها له الشبكة لا يستحق العيش، لأن الإنترنت هو الحياة، والحياة هي الإنترنت، وأنه لا يمكن الإبقاء على الشبكة بوجود أشخاص غير أعضاء فيها، إذ إن بذرة فناء الإنترنت تكمن في وجود هؤلاء الأشخاص واستمرارهم في العيش من دون حاجتهم إلى أن يكونوا متواصلين عبر الإنترنت، وكان وجودهم يغري أشخاصاً آخرين بترك الإنترنت، أو عدم الانضمام إليه، وهو الأمر الذي لم يكن يقبله الرئيس الأعلى، فإما أن تكون الحياة من خلال الإنترنت، وإما أن تكون الحياة من غير إنترنت. وما دام هناك أشخاص يستطيعون العيش خارج الشبكة، فهذا يعني أن الإنترنت ليس هو الطريقة الوحيدة للحياة.

ولم تكن هذه فلسفة السيد ميموري وحده، إذ كان المليارات من الأعضاء يشعرون بالغضب من مجرد تخيّل وجود بشر خارج هذه المنظومة. كان وجودهم يعني ببساطة أن الأعضاء أشخاص أغبياء لا حدود لحماقتهم، وأنهم مجرد مرضى ومدمنين على الإنترنت. كانت هذه الفكرة تجعل حياتهم جحيماً لا يُطاق، وكانوا يعتبرون الأشخاص غير الأعضاء حفنة من المعاندين والمكابرين الذين يحاولون إعادة مجرى الحياة العادية. وازدادت الأمور سوءاً بعد التهديد الذي أطلقه السيد ميموري، وأخذ الملايين منهم في البكاء والعويل وهم يتخيلون الحياة من دون إنترنت.

كانت منظمات حقوق البدائيين قد أقنعت السيد ميموري قبل سنوات بترك الـ 500 مليون آدمي في حال سبيلهم خارج منظومة الإنترنت إلى أن يموتوا وينقرضوا، وفعلاً تُركوا لسنوات وضُيقت عليهم الحياة، وكانوا ممنوعين من كل شيء إلا العيش على الهامش، يأكلون ويشربون، فلم يكن لهم هوية، ولا وطن، ولا أي تواصل خارجي، ولم تكن هناك لغة مشتركة بينهم وبين أعضاء الشبكة الذين يتحدثون بلغة خاصة بهم قوامها الأرقام والحروف المنفصلة، فيكفي أن يكتب أحدهم في الإنترنت: D14 ليعرف الشخص الآخر أنه يلقي عليه التحية. وكان أكثرهم، خصوصاً الشباب منهم، لا يفهم اللغات السابقة ويتعاملون معها باعتبارها لغات مندثرة لأقوام غابرة.

لكن مع هذا، كان عدد هؤلاء البدائيين يتزايد بسبب استمرار إنجابهم الأطفال الذين كان بعضهم ينضم للشبكة تحت تأثير ودعاية المبشّرين بالإنترنت، وبعضهم يواصل حياة الآباء والأجداد، وهو ما تنبه إليه السيد ميموري، فقرر بالاتفاق مع جمعيات حقوق البدائيين إنشاء محميات طبيعية لهؤلاء، وأجبرهم على العيش فيها، لكن وجودهم بقي يشكل تهديداً لفكرة التواصل عبر الإنترنت، كما أن عددهم تضاعف وأصبحوا خلال سنوات قليلة مليار شخص، لذلك قرر السيد ميموري التخلص منهم وأطلق تهديده الشهير.   

قبل انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأعلى، اجتاحت الجموع الغاضبة المحميات الطبيعية المتناثرة حول العالم وارتكبت مجازر مروّعة بحق سكّانها بأسلاك الإنترنت والألياف الضوئية، ولم يسلم من القتل على الإنترنت حتى أطفالهم. وفي اليوم الأول بعد انتهاء المهلة، لم يكن هناك آدمي خارج منظومة الإنترنت.

بعد سنوات من العيش في العالم الافتراضي، إذ لم يكن آدمي يسير في الشوارع، وليس هناك شخص يعمل في أي مهنة، فكل البشر يجلسون في بيوتهم أمام شاشات الكمبيوتر ويتواصلون مع بعضهم بعضاً، حتى في نطاق الأسرة نفسها.

وكان الأكل والشرب يصلهم عبر فتحات في الكمبيوتر، إذ كان من يشعر بالجوع يضغط على زر في مصنع لإنتاج اللحوم من مواد معينة، أو الخضراوات، فتنتج الآلات الكمية المطلوبة، وترسلها له بشكل آلي من خلال أنابيب عملاقة تصل بين أطراف العالم.

بعد تلك السنوات، شعر السيد ميموري بالملل من طريقة العيش تلك، إذ فكّر أنه ما الحاجة إلى وجود كل تلك المدن والأنابيب العملاقة والبشر الذين يعيشون في أماكن مختلفة من العالم، وهو ما يسبب مشكلات هم في غنى عنها يمكن حلها بطريقة أسهل، فوجّه أوامره بإخلاء قارة إفريقيا من كل البشر ونقلهم إلى قارات أخرى بشكل مؤقت، ثم وُضعت قنبلة خارقة أحالت القارة إلى مجرد سطح مستو، فلا جبال ولا أنهار ولا بحيرات، وإنما مساحات شاسعة من الأرض المستوية الجرداء، ثم ثُببت أعمدة من مادة غير قابلة للتحلل أبداً في جميع أنحاء القارة، وفوق هذه الأعمدة أقيمت أرضية كبيرة، وأقيمت فوقها قوالب على شكل توابيت تكفي لشخص واحد فقط، على عدد البشر الموجودين في العالم، وسمي هذا المكان "المول العالمي".

بعد أن انتقل كل آدمي إلى القالب المخصص له، أغلق السيد ميموري المنفذ الوحيد لـ"المول" وهو يطلق مجموعة من الصواريخ حول العالم تحمل قنابل خارقة أحالت العالم خارج "المول" إلى لا شيء، وأصبح العالم كله محصوراً في نطاق هذا "المول" الضخم. كما أنه ضغط على زر آخر أطلق مادة لزجة تسحق كل شيء وتحيله إلى لا شيء في لحظة واحدة، غطت بسرعة هائلة الأرض من تحت "المول"، لئلا يفكر أي شخص في الخروج منه.   

أصبح الجميع مستلقين وهم عراة في قوالب تمدهم من خلال الأنابيب بالمأكل والمشرب، وموصولين بشبكة إلكترونية يتواصلون من خلالها. وكان النظام معمولاً بطريقة ذكية لمواجهة حالات الموت أو المرض، إذ بمرور 24 ساعة على عدم استخدام الشخص أي زر في الكمبيوتر المثبت فوق رأسه، ينفتح القالب من الأسفل ويسقط في تلك المادة اللزجة التي تبتلع أي شيء يلمسها في لمح البصر.  

بحلول سنة 2200 ميلادية، لم يكن يعيش في "المول" سوى شخص واحد بعد أن مات الجميع وسقطوا في المادة اللزجة، خصوصاً أن التكاثر البشري كان قد توقف منذ أن انتقل البشر للعيش في "المول"، فعدا عن أن مسألة الإنجاب كانت مستحيلة لعدم التواصل الفيزيائي، كان الناس قد نسوا بمرور الزمن شيء اسمه زواج، إذ كانت احتياجاتهم العاطفية تلبى بطريقة إلكترونية، ولم يكن هناك أسر من الأساس، مجرد أشخاص يتواصلون بالإنترنت ولا يعرف أحدهم من هو بعد سنوات طويلة من العيش في العالم الافتراضي. 

لم يكن آخر شخص بقي في "المول" يعرف أن موته سيعني انقراض الجنس البشري، إذ كان "المول" مجهزاً بطريقة لا تسمح فيها للناس بمعرفة مصير الآخرين، فحتى أولئك الأشخاص الذين كانوا يسقطون من قوالبهم إلى هوة العدم، كانت الكمبيوترات الموصولة بهم تتواصل مع الآخرين ببرمجة ذكية تعرف ردّ فعل صاحب الكمبيوتر في جميع الحالات، كأنه حي يتواصل إلكترونياً.  

فجأة، استيقظ هذا الشخص من نومه، وتحسس بيده على الفراش ليتحقق من وجود زوجته إلى جانبه، ثم دخل غرفة عياله واطمأن عليهم، ومسح على رؤوسهم بيديه، ثم اتجه صوب جهاز الكمبيوتر الموجود في صالة منزله وهو يحمل مطرقة، وانهال عليه ضرباً.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01