search
إصدارات
ارتباطات
حكاية البلابل وفرخ الفيل
7/9/2013

كنا نطلق عليه لقب "فرخ الفيل"، شاب عشريني من أوكرانيا كان يزداد ضخامة مع كل ليلة جمعة ينضم إلينا فيها أثناء جلسة شواء الكباب على أطراف المدينة.

في أول مرة رأينا أحد شباب الجلسة يقترب من مكان جلوسنا على الرمال بينما جثة متحركة تسير إلى جانبه، وقال هو يعرفنا إلى "إلكسندر" إنه ابن شريك له في التجارة.

كنا سعداء بوجود الأخ إلكسندر بيننا، وشعرنا بأننا من جماعة الرأي والرأي الآخر، ومن المؤمنين بحوار الحضارات، كما أن وجوده فرصة ليعرف الأجواء هنا، ويكون انطباعاً حسناً عن أهل البلد، وقد يصطحب معه في المرة التالية ابنة شريك صديقنا في التجارة.  

قرر بعضنا أن يخلع عليه لقب "الفيل"، لكن بعضنا الآخر رأى أن أمامه سنوات من النمو وقد يصبح أكبر ضخامة، فقررنا أن نطلق عليه لقب "فرخ الفيل" مؤقتاً.. إلى أن يكتمل نموه ويستقر حجمه.

أصبح فرخ الفيل محور الجلسة في تلك الليلة، فنحن نرطن أمامه بالإنجليزية، ونتحدث عن أشياء يمكن أن يستوعبها: كباب، فحم، رمل.. نساء. ملاحظة: كاتب هذه السطور لم، ولن، يتحدث عن النساء.

في الخميس التالي لمحت وجود رأسين في سيارة ذلك الصديق وهي تتعرج بين الرمال، فهتفت "أوهوو"، يبدو أنه أحضر معه إلكسندر أو الرجل الأخضر. ورَطنّا بالإنجليزية معه وتحدثنا عن أشياء يمكن أن يفهم أبعادها: تجارة، فلوس، حوالة بنكية.. نساء.

في الخميس الثالث سألت صديقنا وهو يناول ابن شريكه سيخاً من اللحم المشوي: قبل كل شيء، أين بقية أولاد صاحبك التاجر؟ وهل تذكر الأشياء التي كنا نتحدث عنها في الخميس الذي سبق وجود فرخ الفيل بيننا، وفي كل "الخمائس" التي اجتمعنا بها حول موقد الشواء طوال السنوات التي مضت؟

فقال وهو يناول صاحبنا السيخ التالي: هو وحيد والديه، ولا أذكر عن أي شيء كنا نتحدث.. فقلت له بعد أن فقدت الأمل نهائياً في فرخ الفيل بأننا كنا نتحدث عن الدوري المحلي، وعن استغلال الإسلام من قبل الجماعات الدينية، وعن آخر القرارات الوزارية، وعن طريقة توزيع الميراث في الشريعة الإسلامية، وعن الشائعات التي تنتشر في "البلاك بيري"، وعن ظاهرة سرقة النعالات من أمام المساجد، وعن المشكلات الحدودية بين بعض الدول العربية..

فرد بلا مبالاة وهو يناول صاحبه السيخ الثالث: والمعنى؟

المعنى أننا منذ أن شرفنا فرخ الفيل بحضوره الثقيل، أصبحنا نراعي وجوده طوال الوقت، ونجامله بطريقة لا نجامل فيها زوجاتنا، فالكلام بلغة يصعب علينا التعبير بها بسهولة، لئلا يشعر بأننا لا نقيم له وزناً أو ربما نتآمر عليه لذبحه وشيّه وأكله لحماً طرياً، والموضوعات لأشياء يمكن أن يستوعبها هذا الأخ الذي تصعد خدوده وتهبط بلا توقف، كما أن فارق العمر يضفي المزيد من الغباء على هذه الجلسة، فنحن نقترب من الأربعين وهو ما يزال في ريعان شبابه كما يقولون، ومن ثم: فلا فائدة من حوار حضارات معه لعدم وجود أرضية مشتركة للحوار، خصوصاً أنه وحيد والديه.    

فلو تحدثنا أمامه عن سرقة النعالات من أمام المساجد مثلاً، فيجب أن نشرح له الإسلام منذ فجره الأول، وعن قدسية المساجد، وعن فضل صلاة الجماعة، وعن النجاسة المحتملة للأحذية والنعالات، وعن معنى النجاسة، وعن سعر النعالات، وعن النعالات المقلدة، وعن أسواق بانكوك، وعن كل شيء حصل منذ أن وضع أول إنسان قدميه في النعال، إلى آخر إنسان سرق نعالاً من أمام مسجد، لتتحول الجلسة إلى صف دراسي يضم تلميذاً واحداً وعشرة معلمين.

نحن لا نجتمع إلا مرة واحدة في الأسبوع، وفي هذه المرة نحب أن نتبادل الآراء في أمور تخصنا، ونهتم بها، ونعانيها، ونحلم أن تتحقق، وليس لتجزية الوقت في شرح سبب عدم إدخال المصلين نعالاتهم معهم إلى المساجد كما يدخل جماعته بأحذيتهم إلى دور عبادتهم.

ولو كان صاحبك من بلد نعرف عنه شيئاً، كالهند، أو من بلد يجمعنا وشعبه "بلاطات" مشتركة، كتركيا، أو من بلد هو حديث الناس حول العالم، كأميركا، لوجدنا شيئاً يهمنا أن نتحدث فيه أمامه، أو على الأقل نسأله عنه.

ولو كان الذي يجمعنا هواية جمع الطوابع مثلاً، أو صيد السمك، أو عزف الموسيقى، أو لعب كرة القدم، أو حتى سرقة المنازل والسطو على البنوك، فإننا سنكون سعداء بانضمام أي شخص يشترك معنا في المحور الأساسي لتجمعنا، لكننا هنا نجلس للحديث ولا شيء آخر، وصاحبك يجلس هنا لأي شيء آخر غير الحديث، وحالنا معه مثل حال بلابل تغرد فوق رأس فرخ فيل.

فقال وهو يناول صاحبه السيخ العاشر: أنت تضخم الأمور، وهو مستمتع بالأجواء أكثر من استمتاعه بالحديث معه، ولو تركناه يراقب النار ويأكل الكباب طوال الوقت، لعاد إلى منزله فرحاً.

فقلت له لكننا لن نكون سعداء بوجود شخص لا يشاركنا الحديث لأنه لا يفهم ما نقول، حتى في حديثكم أنتم عن النساء، فأنا كما تعلم زوجتي لا أتحدث عن النساء، تضطرون إلى شرح القضية من الألف إلى الياء، خصوصاً أن النساء ليست قضية أصلاً في أوكرانيا.

أبدى صديقي تفهّمه لوجهة نظري وأخذ يهز رأسه بالموافقة وهو يناول السيخ الألف بعد المليون لفرخ الفيل الذي كان يأكل اللحم المشوي بطريقة همجية كأن بينه وبين التيس صاحب اللحم عداوة قديمة، وفعلاً، في الخميس التالي حضر إلكسندر بمفرده.

لا أذكر كم خميس مرّ ونحن نجامل هذا الشاب، لكن الذي أذكره أنه في الشهور الأخيرة، قبل دخول الصيف والتوقف الاضطراري عن الجلسات البرية، كان يجلس الساعات الطوال لا يتكلم، ولا يُكلّم، كأنه الجثة التي رأيناها أول مرة.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01