search
إصدارات
ارتباطات
هل الصراخ هو الحل؟
22/6/2013

لأحد أن يعرف المرض الذي يعانيه، وفي الوقت نفسه، أنت لا تستطيع أن تقول له: كنت أتجسس عليك ورأيتك تفعل كذا وكذا، فأرجو أن.

مع إشراقة شمس ذلك اليوم، الذي هو مثل بقية الأيام، اتصلت بورشة تصليح السيارات وأخبرتهم بأنني في الطريق إليهم، حسب الموعد الذي ضربوه منذ أسبوع حين سلّمتهم السيارة، لكن مسؤول الورشة طلب مهلة ساعة إضافية لتجهيز السيارة.

بعد مرور ساعة اتصلت فطلبوا المزيد من الوقت، فاستخدمت سلاحي المعتاد، وأخذت أصرخ بأعلى صوتي، فإذا بالمسؤول يخبرني بأن السيارة أصبحت جاهزة فجأة.

اتصلت بشركة سيارات الأجرة وطلبت واحدة منها، فأخبروني بأن السيارة ستصل بعد عشرة دقائق. بقيت أذرع البيت ذهاباً وإياباً مثل الأسد المحبوس في القفص بانتظار سيارة الأجرة التي تأخرت أكثر من ساعة. وبعد فاصل من الصراخ عبر الهاتف، سمعت صوت الهرن يأتي من الخارج.

ما إن أدرت مفتاح تشغيل سيارتي وإذ بعلامة حمراء تومض في لوحة العدادات. سألت وقيل لي إنها ستختفي بمجرد التحرك بالسيارة. قطعت مسافة تكفي للوصول إلى القمر لكن لم يختفِ الوميض، ولم يكن هناك جدوى من الاتصال بالورشة وممارسة الصراخ.   

وصلت المكتب لكن لم أجد الكيس الذي اعتاد موزّع الجرائد أن يعلقه على مقبض الباب وبداخله الجريدة، وبعد فاصل من الصراخ عبر الهاتف، وصلت الجريدة.

أنجزت بعض الأعمال ثم خرجت وإذ بالسيارة ترفض الانطلاق، وبعد فاصل من الصراخ لم تتزحزح من مكانها، وتذكرت أن صاحب الورشة هو من عليه أن يسمع ذبذبات صوتي، فاتصلت به وفاجأني بقوله إنه كان يتوقع ما حدث، لأنهم لم يعيدوا برمجة كمبيوتر السيارة، لأنني كنت مستعجلاً.

الحمد لله، المكان هنا يعج بسيارات الأجرة ولا أحتاج إلى الاتصال بالشركة ثم الانتظار وأنا كالليث الغضبان، فأوقفت واحدة منها، وطلبت من سائقها توصيلي إلى المقهى.

في الطريق، لاحظت أن السائق يعامل السيارة كأنها عربة قطار تسير على سكك حديدية، إذ كلما مشى في مسرب التزم به واصطفّ خلف آلاف السيارات، بينما المسارب الأخرى خالية تماماً ولا تسير فيها حتى الحشرات الصغيرة. وبقيت أطلب منه الانتقال من مسرب إلى آخر، وأرفع معدل صوتي في كل مرة ينسى فيها أنه يقود سيارة، إلى أن وصلنا.  

طلبت قهوتي وحاولت تشغيل جهاز الكمبيوتر المحمول لكنه أبى الاستجابة، فاتصلت بالورشة لكن مسؤولها طلب مني أن اتصل بزوجتي لعدم وجود رابطة سببية بين السيارة وجهاز الكمبيوتر، فاتصلت بأم العيال، وكنت على وشك أن أمارس معها ذلك الفاصل الصوتي، لكنني تذكرت بأنني سأجوع بعد ساعات، وسأحتاج إلى تناول الغداء من يديها.

سألتها بأدب جم عن شحن بطارية الكمبيوتر، كما طلبت منها ذلك في اليوم الفائت، فقالت إنها كلّفت "تيتي" بهذا العمل الشاق، فخادمتنا المذكورة – بناء على رد زوجتي - هي المسؤولة عن كل ما يتعلق بالكهرباء في البيت.

ومن المفيد أن أذكر حكاية الخادمة والكهرباء، فأذكر أنها أحضرت معها من بلادها "توربين" مائي، وقالت لنا وهي تخرج التوربين من حقيبتها، بأننا لن نحتاج إلى كهرباء الحكومة، وأننا لن ندفع فلساً واحداً على الكهرباء.

وفي اليوم التالي لحضورها، أخذتْ التوربين إلى عند مسقط مياه الشلال الاصطناعي الصغير الموجود في الحديقة، وطلبت مني مساعدتها في تركيب مولد كهربائي إلى جانب التوربين، وفعلاً، بدأت الكهرباء تسري إلى البيت، لكن يبدو أن الشلال في الليلة الماضية كان معطلاً أو كان التدفق بطيئاً، ولذلك لم تستطع الآنسة تيتي أديسون من شحن بطارية الكمبيوتر.

سألت وأشارت لي النادلة إلى إحدى الطاولات المتاحة للجلوس عليها، حيث يوجد بالقرب منها قابس للكهرباء.

انتقلت إلى هناك واللهفة إلى كتابي الجديد تسبقني، فبعد قليل سأكون وجهاً لوجه مع بروفة (نسخة ما قبل الطباعة) من كتابي الذي عكفت على تأليفه أكثر من سنة. ضغطت بيدي بقوة على المقبس لعله يلتحم بالقابس فتصل الكهرباء بعد أن فشلت محاولاتي الرقيقة، ثم جاء أحد العاملين في المقهى وأخبرني أن التيار الكهرباء لا يسري في هذا القابس منذ اليوم الأول، وأن هناك قابس آخر لكن أحدهم يستعمله الآن.

بقيت أراقب ذلك الزبون وأدعو الله أن ينتهي من تناول عصيره بسرعة ويغادر المكان، لكن الزبون أخذ ينظر إلى الفراغ بينما كوب العصير ما يزال نصف مملوء أمامه، وبقي هكذا حتى خُيِّل لي أنه تذكر أنه صائم أو شيء من هذا القبيل.

ولأن فاصل الصراخ لا يمكن استعماله مع زبون مثلي، فبدأت أستعمل فاصل الدعاء عليه بأن تنشق الأرض وتبتلعه، خصوصاً أنه أنهى العصير دفعة واحدة ثم بقي يحك مؤخرة رأسه بلا سبب، مثل القرود.

بعد حين من الدهر، أخلى الزبون الطاولة، فانتقلت إليها فوراً وشغلت الجهاز، لكنني لم أجد الكتاب في بريدي الإلكتروني كما وعدني مسؤول دار النشر في الليلة الماضية، فاتصلت به ومارست معه الفاصل الصوتي من دون أن يشعر بذلك، فالمكالمة بيننا دولية، إذ هو في بيروت وأنا في دبي، ومن الطبيعي أن أرفع صوتي إلى أقصى ما تسمح به الحنجرة.

كنت في هذه الأثناء أطلب فنجان القهوة الثاني بعد أن طلبت من النادلة أن تخبر زميلها الذي يعد القهوة بألا يملأ الفنجان عن آخره بالقهوة، فالفنجان الأول شربته بصعوبة وكادت القهوة أن تندلق على كندورتي التي انتبهت إلى وجود بقعة معينة منها لم يقم "المكوجي" بكيّها بضمير.

وصل الملف من بيروت بعد أن استراح السائق في عمّان، وتغدى في الكويت، وشرب الشاي في الدمام، وكاد أن يصطدم بشاحنة قبالة مدينة المرفأ بأبوظبي، فلا يمكن أن يتأخر وصول بريد إلكتروني أكثر من ساعة إلا إذا كان هناك سائق وشوارع في الموضوع.

فتحت الملف وفوجئت بأن الملاحظات التي أرسلتها مع مسودة الكتاب لم يُؤخذ بها، فاتصلت بدار النشر وأخبرتهم بأعلى صوتي بأن يخبروا الـ... الذي أنجز الكتاب بأن يأخذ الملاحظات بعين الاعتبار وينفّذها مثل الناس.  

لم أجد شيئاً أفعله في المقهى إلا أن أندب حظي في هذه الحياة، فكل من أتعامل معهم لا ينجزون عملهم بإتقان، ابتداءاً بالورشة، ومروراً بسائق الأجرة، وموزّع الصحف، والخادمة، ودار النشر، والمخرج الفني، والذي يعد القهوة، والمكوجي، والكهربائي الذي ركّب قوابس الكهرباء في المقهى، وانتهاءً بالزبون الذي كان يحك مؤخرة رأسه بلا سبب مقنع.

وفكّرت في حل آخر غير الصراخ المستمر ليل نهار، وهو أن أدخل ضمن هذه الدائرة اللعينة من البشر الذي لا ينجزون عملهم بإتقان، وأُصبح مثلهم ولا أعود أعاني من أي شيء، وقررت أن أبدأ مشوار الإهمال مع هذا المقال، بأن أكتبه وأرسله للجريدة من دون أن أنتبه إلى وجود عبارة في مقدمته تخص مقال آخر.    


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01