search
إصدارات
ارتباطات
دورة حياة الوهم
14/9/2013

كنا نتكلم في أشياء لا معنى لها حين مرّت إلى جانبنا فتاة جذبت العيون إليها، فدار حديث حولها لكنه غير صالح للنشر، ثم انتقلنا للحديث عن جسد الإنسان، فأطرافه، فبصمة أصابعه، فقال أحد جلسائنا وهو يضع أنبوب الشيشة جانباً: إن بصمة الأصابع تتغير مع التقدم في السن.

ولأن ما قاله لم يكن مجرد استنتاج أو رأي أو فكرة أو تخمين أو اقتراح أو نكتة أو أسطورة متداولة، وإنما معلومة، فقد سألناه عن مصدرها، فقال بنبرة حادة قليلاً إنه حين راجع الهيئة المختصة بإصدار بطاقات الهوية لتجديد بطاقته، طلبوا منه أخذ بصمته التي سبق أن أعطاها قبل خمس سنوات، وهذا يعني بالبداهة أن البصمة تتغير مع التقدم في السن.

بدأنا نضحك ونطرح فرضيات أخرى للمسألة، فقلنا له إنهم ربما أضاعوا استمارة بصماته، وربما وقعت عليها قطرات من الشاي الذي كان يرتشفه موظف الأرشيف، وربما فقدوا أثر البصمة المحفوظة إلكترونياً أثناء تطوير النظام، وربما كانت غير واضحة أو غير كافية لتمييزها عن بصمات أخرى، وربما حدث لبس بين اسمه واسم شخص آخر، وربما كان الموظف الذي طلب منه إعطاء البصمة حديث التعيين لا يعرف الإجراءات، وربما كان يقصد شخصاً غيره، فلما وجده يتقدم قال في نفسه: "زيادة الخير خيرين"، أو أي سبب آخر لا نعرفه.

كان صاحبنا في هذه الأثناء يجذب الدخان إلى صدره وينفثه بسرعة إلى الأعلى، وينظر إلى كل الأشياء الموجودة في المقهى إلا في وجوهنا، وكان من الطبيعي أن يتكهرب الجو، ومن الطبيعي أيضاً أن أسرح بخيالي بعيداً لأرى نهاية من يعتبر تحليله للأمور معلومات حقيقية.

ورأيته في خيالي يجلس في بيته متأملاً أصابعه، وحين تسأله زوجته عن ذلك، يخبرها بالأمر، لكنه يفاجأ بها تضحك هي الأخرى، فيثور ويبدأ في شتم الحمقى والأغبياء.   

في اليوم التالي، يتذكر البصمة وهو يمسك بمقود سيارته، ويشعر بأنها أصبحت قضيته، ويشعر بمرارة تكذيب أقرب المقربين إليه، ويخطر بباله "نيكولاس كوبرنيكوس" الذي خشي من غضب الكنيسة، فلم يُنشر كتابه إلا يوم وفاته، والذي يؤكد فيه أن الأرض تدور حول الشمس، أو العكس، لأن ذاكرته لا تسعفه ليتذكر أيتهما تدور حول الأخرى، لكن فكرة دوران الشمس حول الأرض ستمر بباله في تلك اللحظة، ولذلك ستكون هي المعلومة الصحيحة كما أكدها ذلك العالِم الجليل وزميل المهنة.    

لكن من حسن حظ العلم أنه يتذكر أن نظرية البصمة ما تزال بذرة وتحتاج إلى حرث في الكتب ليسقيها بالمعطيات، ويتعجب من نفسه حين يفكّر بأن استنتاجاً بسيطاً خطر بباله، تحول إلى قضية، وعما قريب ستصبح نظرية تعلّم في المدارس.

ويحاول أن يكتم ضحكاته على البشرية التي وصلت إلى المريخ ولم تكتشف سر البصمة، ومن دون قصد تقع عيناه على أيدي السائقين، وتتراءى له أصابعهم، فبصماتهم، فتغيرها مع التقدم في السن، وقبل أن يكمل اكتشاف المعادلة النهائية، يصطدم رأسه بقوة في الزجاج الأمامي لسيارته ويسمع صوت فرامل من خلفه.

يصل إلى عمله متأخراً، ويتعجب من كونه لا يزال يسير على قدميه رغم قوة الارتطام، ويتذكر أن العظماء لا يموتون إلا بعد أن يكشفوا السر ويودعوه صدور أشباههم. ويرى هذه العبارة معلقة في مخيلته: "هذا قدر العظماء".

لقد أصبح عظيماً، لذلك يستاء من مسؤوله الذي يبدي ملاحظة عن تأخيره، ويشعر بأنه لا يقدّر حق قدره، فنظريته ستغير وجه الدنيا، وستعاد محاكمة كل من أدين بسبب وجود بصمته في مسرح الجريمة، وستقام محاكمات رمزية لمن أخذوا إلى المشانق بسبب غباء خبراء الأدلة الجنائية، وستعلن براءتهم أمام أحفادهم وسيعاد إليهم اعتبارهم، وسيجرى تحديث لكثير من الأنظمة في العالم.

يبقى لدقائق يفكر في أمثلة لتلك الأنظمة، لكن لا شيء يخطر بباله، ويقول بعد أن يملّ من التفكير: لأترك الآن مسألة ما سيحدث بعد إثبات نظريتي، والمهم الآن هو إثباتها، أعني: إثباتها للعالم، فهي ثابتة لدي منذ أن طلبوا مني وضع يدي في المحبرة.

ويتذكر الموظف، ويلوم نفسه لأنه لم يستفسر منه عن سبب أخذ بصماته، ويقرر الاتصال بالهيئة لإنهاء هذه القضية، فربما هي فعلاً معلومة حقيقية وهو الذي لم يكن يعرفها، وكذلك الأغبياء الذين حدّثهم بالأمر في المقهى. 

"الإنترنت" يهتف بهذه الكلمة، وقبل أن يبدأ البحث يتذكر أن أنظمة كثيرة ستتغير حول العالم، لكن لن يخطر بباله شيء يمكن أن يتلذذ في التفكير فيه وهو يتغير إثر اكتشافه، لكنه عموماً سيقنع بإنقاذ آلاف الأبرياء. ويقول في نفسه: بعد كل هذا الذي سيحدث، يأتي مسؤول لا يعرف حتى سرّ أصابعه ليسألني عن التأخير!

يكتب في خانة البحث: "تغير البصمة"، ويشعر بأنه يسير في الطريق الصحيح، فمن جانب يعرف أن العالم انتهى من هذه المسألة منذ أكثر من قرن وأصبح مؤكداً لديه أن بصمة إصبع الإنسان تبقى كما هي طوال حياته. ومن جانب آخر يجد الكثير من القرائن التي تلقي بظلال الشك على هذه "المعلومة".

فهناك عمليات تجميل لبصمات الأصابع، وهناك أمراض تتلفها، وهناك طرق لتزويرها أو إخفائها بالأحماض أو الحرق بالنار، ويخلُص من هذا الحرث الشاق في أرض العلم، بأنه ما دامت فرصة تغيير البصمة بتدخل الإنسان قائمة، فلم نستبعد فرصة تغيرها من دون تدخله؟! كما أن مخلوقاً مثل الثعبان، ينسلخ من جلده بين الحين والآخر، ومن الغباء الاعتقاد بأن الجلد الجديد هو نفسه القديم. وينهي المسألة وهو يردد بأن علم الإنسان محدود في مقابل هذا الكون اللا محدود، وأن الله يخلق ما لا نعلمه.

تقريباً، كما يقول لنفسه، أثبت النظرية، لكنه ما يزال يتساءل عن سر طرح معلومة مناقضة لمعلومته واعتمادها كحقيقة؟! ويقول لنفسه إنه في النهاية ليس عالماً، وليس من المعقول أن كل العلماء فشلوا في الوصول إلى تلك الحقيقة، وهنا يتذكر الماسونية، تلك المنظمة اللعينة والغامضة التي تستطيع فعل كل شيء. فما دامت هذه المنظمة تحكم العالم من خلال المحفل الماسوني، فما الذي يمنع أن تبسط سيطرتها على المجاميع العلمية؟!

أما سبب القرار الماسوني، فيقر لنفسه بالعجز عن معرفته، ويقول: أنا في النهاية لا أعرف كل شيء، وسأخدع نفسي لو قلت إنني أعرف كل شيء. وفي هذه اللحظة، يكتب هذه الملاحظة في هاتفه المتحرك: "القضية التالية هي كشف أسرار الماسونية".

ويعود بذاكرته بضع عبارات إلى الوراء، ويبتهج لأن مصطلح "مجاميع" مرّ بباله، فلو لم يكن إنساناً فذّاً لقال مثلاً: المؤسسات العلمية. وهنا يصل إلى حالة من اليقين بصحة معلومته. لكن المشكلة أن "مجاميع" تعلق في ذهنه وتعيقه عن المضي قدماً في نظريته.

ومن حسن حظ البشرية، كما يقول في نفسه، إنه يتلقى اتصالاً من زميل عمل معروف لدى الجميع بأنه أبله، يخبره فيه بأنه سيزوره في مكتبه، وهنا يتذكر عبارة "يضع سره في أضعف خلقه"، فربما كان هذا الأبله فطناً في هذه القضية بالذات، والكمال لله وحده.

ويشعر بأن شيئاً يدغدغ أحساسيه، وبعد برهة من التفكير، تلمع عيناه، إذ يتوصل إلى الوصف الملائم للموقف الذي سيحدث بعد قليل، وهو "المنعطف الحاسم"، فبعد أن يقرّ العالم بصحة معلومته، ستكتب عنه الصحف، وستعنون الفقرة التي تتحدث عن لقائه بزميله الأبله بتلك العبارة.

ولن يخيب زميله ظنه فيه، إذ يبقى طوال الوقت يهز رأسه، ويبقى فمه مفتوحاً نصف ساعة تقريباً بعد سماعه كلمة "المجاميع"، ويقول صاحبنا لنفسه وهو يودّع ذلك الأبله: لن تنسى البشرية فضل هذا الرجل، فهو أول من أقرّ بصحة نظريتي.  

يشعر بحرج كبير وهو يقود سيارة تئن بصوت عالٍ بسبب تحطم مقدمتها، لكن صورة آينشتاين بشعره المنكوش تظهر في مخيلته، ويجد فيها عزاء إلى أن يصل البيت ويحدث زوجته بما توصل إليه.

لكن حدثاً لم يتوقعه يقع، إذ يلاحظ أن زوجته تتثاءب بينما هو منهمك في شرح نظريته، وينتهي الحوار بينهما بكلمة "أنتِ طالق"، و"وأنتَ مجنون".

ويحدث مثل ذلك تدريجياً وبمرور الأيام مع كل من هم حوله، إذ يجلس متحفزاً طوال الوقت، يحاول جرّهم إلى الكلام عن البصمة، ثم يجادلهم ويتحداهم ويسخر منهم ويصفهم بالإمعات. وكلما انفض الناس من حوله، ترسخ اعتقاده بصحة نظريته، فهم برأيه لا يطيقون سماع الحقائق. 

وحين لا يجد من يتحدث إليه بعد سنة من النضال من أجل إثبات نظريته، ينهمك في مراسلة المجاميع العلمية، وفي كل يوم يضيف إلى نظريته ويعدل فيها، خصوصاً أنه يصب كل اهتمامه عليها حتى تستحوذ عليه تماماً، فهو يتأمل أصابع يديه مئة مرة في اليوم، ويسير في "المولات" محدقاً في أيدي الناس، وفي مرة يتلقى صفعة من امرأة تفاجأ به وهو يمسك بيديها محاولاً أخذ بصماتها، ويتركها وهو متعجب منها، فآلاف الأشخاص الغرباء قبلوا إعطاءه بصمة أصابعهم بعد أن أقنعهم بأهمية التجارب العلمية، فأعطوه ما يريد رغم أنهم كانوا يضحكون لسبب غير معروف.

وفي البيت الذي بات يعيش فيه بمفرده، يغطي جدرانه بأوراق مطبوع عليها بصمات متنوعة، وكذلك بصمات أصابع يديه هو المطبوعة على الجدران مباشرة، ويقضي الساعات وهو يتأملها بعدسة مكبّرة، كما أنه يخصص جدراناً للأرقام والعلامات والرموز ذات الصلة، ومن بينها بطبيعة الحال رمز الماسونية، الذي تنتهي كل المعادلات إليه.

أما في غرفة نومه، فهو يضع خطوطاً على شكل حرف ألف بعدد الأيام المتبقية لانتهاء صلاحية بطاقة هويته، وهي خمس سنوات، وكلما مر يوم يزيل خطاً واحداً. وفي اليوم الموعود، يزيل الخط الأخير، وفي اللحظة نفسها يتلقى رسالة من هيئة الهوية تخبره بأن صلاحية بطاقته انتهت وأن عليه الحضور لتجديدها.

وهناك، وبعد خمس سنوات من الأبحاث والتجارب، التي تؤكد له بما لا يدع مجالاً للشك، تغير بصمة الإنسان كلما تقدم في العمر، يدرك حجم الخدعة التي تعيش البشرية بداخلها، وجبن المجاميع العلمية عن مواجهة الحقيقة، فالهيئة لم تطلب بصمة أصابعه وإنما سألته عن بياناته الشخصية ثم سلمته بطاقته الجديدة في غضون دقائق، رغم أنه تحدث إلى كل العاملين فيها بضرورة أخذ بصمته لأنها تغيرت مع تقدمه في السن، مؤكداً وهو يصرخ في بهو الهيئة وأمام الجميع بأنه غير مسؤول عن أي جريمة وجدت بصمات أصابعه في مكان وقوعها.

أعادني مرور الفتاة الحسناء إلى أرض الواقع، وأخذ مكتشف النظرية يتحدث عنها حديثاً غير صالح للنشر، وتلطّف الجو وعاد الشباب إلى الضحك، فانتهزت الفرصة واختلست نظرة إلى أصابع يدي.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01