search
إصدارات
ارتباطات
"العزومة" على الجهاد
6/6/2013

 

يستخدم المصريون في لهجتهم الدارجة عبارة "عزومة مراكبية"، أي ذلك الذي يدعو الواقفين على الرصيف أو الشاطئ، وهو على ظهر مركبه في النهر، بأن يتفضّلوا ليشربوا الشاي معه.

كان أحد الرؤساء العرب السابقين أستاذاً في "عزومية المراكبية"، فقد طالب أكثر من مرة، وعلى الهواء مباشرة من خلال شاشة قناة "الجزيرة"، بفتح الحدود مع إسرائيل، مبدياً استعداده لتزويد المقاتلين الفلسطينيين بالمال والسلاح والرجال، وقال: "أنا أستطيع أن أرسل مقاتلين مزوّدين بأسلحتهم، ليس بالمئات، وإنما بالآلاف، بالآلاف"، وذلك إذا فُتحت أمامهم الحدود مع إسرائيل.

ولأنه ليس لبلاده حدود مع إسرائيل، ويعرف أن مسألة فتح الحدود ستكون مقدمة لحرب عالمية، وفي الوقت نفسه يرغب في أن يبدو في نظر الشارع العربي بأنه بطل قومي لا يجامل على حساب القضايا المصيرية، فلم لا ينتهز منحة الجغرافيا وبركة التضاريس ليسجّل موقفاً ليس فيه التزام ولا كلفة، ويضع القيادات العربية "المتورطة" دولها في حدود مع إسرائيل أمام مسؤوليتها التاريخية و"يعزمها" على القتال ضد إسرائيل؟!

وقبل أيام ظهر أستاذ آخر في "عزومة المراكبية"، وهو أحد مشاهير مشايخ الدين، حين دعا جميع المسلمين في كل البلاد للذهاب إلى سوريا للدفاع عن السوريين والقتال إلى جانبهم، وأقسم بأنه لو كان يستطيع الذهاب لفعل دون تردد.

تتضح "عزومة المراكبية" في أن الداعية المذكور نسي أن غالبية الشعب السوري يقف ضد نظامه، كما يردد الجميع، والغالبية بالنسبة إلى شعب يبلغ تعداده نحو 23 مليون نسمة، يعني ملايين الناس، ولن يفيدهم في شيء انضمام حتى مليون شخص إليهم ما دامت الكلمة الأخيرة هي في نوعية السلاح التي تملكها الأطراف المقاتلة، إلا إذا كان يقصد أن يذهب الناس إلى سوريا بالدبابات والطائرات الحربية!

كما أنه يستطيع، لو أراد، أن يذهب إلى سوريا ويقيم في المناطق المحررة تحت حماية الثوار وفي ضيافتهم، أو حتى في مخيمات اللاجئين في تركيا أو الأردن، ليشكّل بذلك أكبر دعم معنوي وشرعي للمقاتلين، ولن يطلب منه أحد أن يحمل سلاحاً أو يكرّ على عدو.

والأخطر من هذا كله، أن جانباً من حديثه انصب حول مشاركة "حزب الله" الشيعي في القتال إلى جانب قوات الأسد في مدينة القصير. ورغم أن تدخل الحزب الإيراني في سوريا عمل مشين ويرقى إلى مستوى الغزو، فإنه شتان بين إدانة هذا الحزب وفضحه وبين دعوة كل المسلمين للذهاب إلى سوريا، لتصبح الحرب الطائفية المحدودة في سوريا مجرد "بروفة" للحرب الطائفية الشاملة على مستوى المنطقة.

لكن كما قلت منذ البداية، هي "عزومة مراكبية"، فعدا عن كون الداعية يعيش في بلد لا تربطه حدود بسوريا، بل إن علاقات بلاده بمعظم الدول التي يوجد لديها حدود مع سوريا ليست في أفضل حالاتها، ولا يهم إن تدفق المقاتلون من هذه الدول على الحدود السورية وتفجرت الأوضاع في هذه الدول وانتهكت سيادتها واضطرب أمنها، فإن الشيعة في بلاده أقلية صغيرة لا يشكلون رقماً مهماً، بينما يعد الشيعة في دول أخرى مجاورة لبلاده كتلة مؤثرة، ووقوع حرب طائفية شاملة على الأرض السورية من شأنه تطاير شرارتها على تلك البلدان واشتعال النيران فيها.. لكن ما الضرر لو "عزمت" الجميع على الجهاد بينما مركبي يسير بأمان والحرب تشتعل على الشاطئ؟!


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01