search
إصدارات
ارتباطات
أسلوب "ممكن ونص!"
25/7/2013

تعرفت إلى شخص بدّل قناعاته الدينية، وأخبرني أنه أمسك بالخيط الذي قاده إلى التغيير في أثناء مناظرة بين شخصين، الأول كان يمثل قناعاته القديمة، والآخر يمثل قناعاته الحالية، ويقول إنه بينما كان الأخير يفنّد أدلة خصمه بشيء من المنطق، فإن الأول كان متوتراً وكلما سُئِل: هل من الممكن أن كذا وكذا؟ فإنه يرد بعصبية: "ممكن ونص!"، ثم قال لي: "ممكن ونص" دليل على عدم وجود الدليل.. لذا تركتهم.  

إلى ما قبل عصر الإنترنت كانت المعرفة بالوقائع التي حدثت في فجر الإسلام عصية إلا على الباحثين والمتخصصين وعشّاق التاريخ، فمن كان يمتلك في مكتبته أمهات كتب التفسير والحديث والسير والمغازي والأعلام؟ ومن كان يملك الجلد والوقت للإبحار في هذه الكتب حتى لو كانت متوافرة بين يديه؟ ومن كان يستطيع أن يستوعب ما فيها من عبارات غامضة أو يجد تحليلاً أو تفسيراً لمواقف يعرضها الرواة والمؤرخون من دون توضيح أو تعليق أو إبداء رأي؟

الآن، بكبسة زر واحد يمكن لأي شخص أن يغوص في هذه الكتب من خلال مواقع الإنترنت التي توفر مثل هذه المواد، بل يكفي أن يسمع المرء اسماً لأي شخصية ظهرت في الإسلام، أو كلمة واحدة قيلت في خطبة من آلاف الكلمات، ليجدها بالتفاصيل عبر مواقع البحث.   

أصبحت كل تلك الكتب في متناول الجميع، الصغار قبل الكبار، كونهم الأكثر تعاملاً مع الإنترنت، مع سهولة الوصول إلى عشرات التعليقات والتحليلات والآراء في القضية الواحدة، سواء تلك التي تكتب بدافع الغيرة على الإسلام، أو التي تحركها عوامل الحقد الديني في أحيان، والمذهبي في أحيان أخرى، وسواء كانت كتابات عمادها الأمانة العلمية والموضوعية، أم كانت تقوم على التحريف والتضليل.

 ما دفعني لكتابة هذا المقال هو افتراءات على الإسلام بأنه دين عنف وجدتها في بعض المواقع أثناء البحث عن مواد لكتابة مقال آخر لا علاقة له بهذا المقال، فأخذت أبحث عن الواقعة التي استشهدوا بها والتي كنت أسمع بها للمرة الأولى، وهي لعجوز مشركة تدعى "أم قرفة" شُقت بين جملين، ففوجئت بأن الواقعة موجودة كما هي في أهم كتب السير والتاريخ.

ورغم أن الكثير من المواقع الإلكترونية، التي تناقلت تلك الافتراءات، وجدتها محظورة من قبل شركات الإتصالات، ربما لاحتوائها مواد تدعو لكراهية الأديان، فإن مواقع أخرى كان يمكن الوصول إليها، إذ لا يمكن السيطرة على محتوى الإنترنت بسهولة.

وفي المقابل، وجدت عشرات المواقع الإسلامية ترد على تلك الشبهة، لكن للأسف بأسلوب "ممكن ونص!"، فتارة يطعنون في ذمة رواة الحادثة، وتارة يستشهدون بنصوص جاءت في الأديان الأخرى وأحداث وقعت فيها لا تختلف في حيثياتها عن الحادثة "المفتراة" على الإسلام.

وبطبيعة الحال، الناشئة من المسلمين ممن يعيشون حياتهم كاملة في الإنترنت، لا تقنعهم هذه الردود، فما دامت الحادثة وردت في أهم كتب التاريخ، فلا جدوى من تكذيب الرواة، وإلا كان التاريخ كله مزيفاً من أوله إلى آخره، كما أن المقارنة بالأديان الأخرى ربما تفيد في الاحتجاج على أتباع تلك الأديان، وليس على أبناء المسلمين الذين يسمعون عن الإسلام شيئاً، ثم يجدون نقيضه في الإنترنت.  

أسلوب "ممكن ونص" ربما كان يفيد في فترات سابقة، لكن ليس بعد الآن، وهذا يتطلب وجود باحثين شجعان، وليس قصّاصين و"حكواتية"، ليضعوا نقاط الحقيقة على حروف التاريخ، وليميزوا بين الخطأ والصواب، بغض النظر عن الأشخاص.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01