search
إصدارات
ارتباطات
ما الحل مع من هو الحل؟
27/6/2013

أخطر ما في "الخوارج" أنهم كانوا صادقين مع أنفسهم، وكانوا على استعداد للموت في سبيل مبادئهم، حتى قيل إن الحجّاج المعروف ببطشه، جبُن عن مواجهة جماعة منهم تقودهم امرأة شرسة تدعى غزالة، فقيل فيه: أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة.

ولا يمكن وصف صلابة "الخوارج" بأنها ثبات على الحق، وإنما هي أقرب إلى العناد نتيجة الإحساس بالتفوّق الديني. وهو عناد حقيقي كالبغال التي يعد العناد لديها مركباً فطرياً، وليس مجرد تكتيك لجرّ المغانم. ومثل هذه الجماعات المعاندة لا يمكن التفاهم أو التوصل إلى حلول معها، لأنها ببساطة تعتقد أنها هي الحل.  

ويصعب تخيل أن بن لادن كان يمشط لحيته أمام المرآة مخاطباً نفسه بالقول إنه ينفذ أجندات أجنبية، ويمرر مخطات لصالح جهات أخرى. كما يصعب تخيل نصر الله وهو يرتب وضعية العمامة على رأسه قبل الخروج لمخاطبة الحشود بقوله بينه وبين نفسه: "أنا أحد أسباب الفتنة الطائفية بين المسلمين".

والأقرب إلى التصوّر أن مثل هؤلاء الأشخاص صادقون في يقينهم بأنهم يُحسنون صنعاً، وذلك نتيجة الغرور والإحساس بالتفوّق، ولا يهم بعد ذلك إن كانوا يُستغلون ويُستعملون من حيث لا يشعرون.

أشخاص مثل بن لادن ونصر الله وذلك الزعيم الروحي الذي قاد ثورة في بلاده في نهاية سبعينيات القرن الماضي، هم أشخاص على ثقة مطلقة بأنهم على صواب، ومن يخالفهم على باطل، وأنهم مسدّدون من السماء، خصوصاً أنهم يفسّرون الأمور التي قد تقع، وتكون في صالحهم، على ضوء الوهم الذي يستحوذ على عقولهم بأنهم جنود الله.

وأعتقد أن من يسمون أنفسهم دعاة للإصلاح وقعوا فريسة لاعتقادهم الخاطئ بأنفسهم نتيجة إحساسهم بالتفوّق الديني، وإلا ما معنى تحدي الجميع بأن "دعوتهم" باقية لأنها أمر الله، كما كتب أحدهم ذلك صراحة في رسالة منشورة في الإنترنت، وما يستشف من تغريدات أتباعهم.  

أما كيف توصلوا إلى تلك النتيجة الحتمية، فبالطريقة الآتية: فبما أن الآية الكريمة تقول: "وَلْتَكُن منكم أُمَّةٌ يَدْعونَ إلى الخيرِ ويأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المُنكرِ وأُولئكَ همُ المُفْلِحونَ"، وبما أنهم يعتبرون أنفسهم هم أولئك الدعاة المفلحون، وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"، فالنتيجة التي لا نقاش فيها –بزعمهم- من مجموع هذه الأوامر الربانية والنبوية، أن الدعوة إلى الله واجبة، ولا يجوز بحالٍ محاربتها، وإلا اعتبر ذلك عدواناً على أوامر الله تعالى، كما أنها باقية لأنها أمر الله الغالب.

ومع التسليم بأن الدعوة واجبة، وباقية، وبأنه لا نقاش في الأوامر الربانية والنبوية، فهل سأل هؤلاء أنفسهم: هل هم الدعاة الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة؟ وهل هم الجماعة المعنية بالطائفة الظاهرة على الحق؟ وكيف سيكون الوضع لو ظهرت جماعات أخرى تدعي الادعاءات نفسها وتصنفهم هم بأنهم على باطل؟ وهل يمكن أن تستمر الحياة من دون أن يكونوا هم، ولا أحد غيرهم، هو الحل؟

يعتقد بعضهم أنهم على الحق ما دامت نيتهم سليمة، وهو حالة من حالات سكرة الغرور التي تعمي وتصم، مثل ذلك الرجل الذي آوى إلى فراشه بعد أن وضع كوز ماء إلى جانبه، وبعد أن غطّ في النوم جاء شخص وأفرغ الكوز من الماء وملأه خمراً، وفي منتصف الليل أحس الرجل بالعطش، فعبّ ما في الكوز في بطنه دفعة واحدة، فأصبح ثملاً على الرغم منه، وموقناً في الوقت نفسه أنه في كامل قواه العقلية.   


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01