search
إصدارات
ارتباطات
الجراد المنتشر
19/9/2013

يمكن بالمكوث فترة في موقع "تويتر" معرفة توجهات المغردين، ويمكن أيضاً ملاحظة وجود فئة من المناصرين لتيار الإسلام السياسي، وملاحظة فئة أخرى لا تنتمي لهذا الفكر. 

ومنذ ثلاث سنوات خلت، أي منذ أن شهد "تويتر" إقبالاً كثيفاً، يدور الكثير من الأحاديث حول "الربيع العربي" وتداعياته ونتائجه. وتقريباً، لا تجد اتفاقاً في أغلب ما يطرح بين غير المناصرين للإسلاميين، ولا تجد من يبصم بالعشرة.

فيرى بعض هؤلاء أن "الربيع العربي" هو أفضل ما أنتجه العرب منذ قرون، ويرى بعضهم أنه صرخة قهر، ويرى بعضهم أنه لعبة دولية هدفها رسم خريطة جديدة للمنطقة.

وبعضهم يرى أن "الإخوان" جماعة لا تؤمن بالديمقراطية، مع الاعتراف بحقهم في ممارسة السياسة والوصول إلى السُلطة، ثم إبعادهم بالانتخابات كما جاءت بهم. وبعضهم يعتقد أنها جماعة شورى. وبعضهم يرى أن مكان "الإخوان" في المعارضة، وبعضهم يرفض وجود حزب ديني من الأساس.

وبعضهم يرى ما حدث في مصر في 30 يونيو ثورة شعبية، وبعضهم يراه ثورة مدعومة من الجيش، وبعضهم يراه أنه انقلاب عسكري لكنه يتفهم أسباب وقوعه، وبعضهم يرى أن الحل كان في إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وبعضهم ينظر بعين الشك للتحركات التركية في المنطقة، وبعضهم يعتقد أن أردوجان هو سلطان عثماني بملابس عصرية، وبعضهم يدافع عنه ويذكّر بإنجازات تركيا في عهده.

وبعضهم يرفض أي حل غير عسكري مع بشار، وبعضهم يؤيد الحل السلمي حقناً للدماء وحفاظاً على ما تبقى من مدن سورية، وبعضهم يرى أن خصوم بشار مثله، وبعضهم يرى أن بشار الأسد أفضل لسوريا من "القاعدة".

وبعضهم يرى أن "الإخوان" هم ملالي السُنة، وبعضهم يجهد نفسه في بيان أوجه الاختلاف بين الطرفين، وبعضهم يرفض تشبيه هؤلاء بأولئك، لاختلاف المنطلقات العقائدية.

وعلى الجانب المقابل، سيلاحظ المتابع أن أنصار الإسلام السياسي يرددون في الغالب الكلام نفسه أغلب الوقت، لدرجة أنه يكفي أن تعرف "رأي" أحدهم في قضية واحدة، لتعرف "رأيه" في بقية القضايا، كأنها حبّات مسبحة.

فهم يبدون الحجج نفسها، ويسوقون الأمثلة ذاتها، ويشككون في أخلاق وعقيدة الآخرين بالطرق عينها، كأنهم نسخ ضوئية بعضهم من بعض، حتى عند ظهور أيقونة معينة، كأيقونة "رابعة العدوية" الصفراء، فإنها سرعان ما انتشرت بينهم وأصبحت جزءاً من هوياتهم، أو هويتهم الواحدة.

ولا أتحدث هنا عن الرموز أو القيادات، فهم من الطبيعي أن يعزفوا لحناً واحداً، لكنني أقصد أولئك الذين يعتنقون فكرهم ولو من بعيد، ويؤيدون توجهاتهم ولو من دون عمل على الأرض، فتجدهم يدورون معهم أينما داروا. فرأيهم، إن كان لهم رأي، في "الربيع العربي" واحد، وفي أوضاع مصر وتونس وسوريا واحد، وفي أردوجان واحد، وربما في تشكيلة فريق برشلونة واحد.

ولا أتحدث هنا أيضاً عن قيم ومبادئ ومُثل يفترض ألا يختلف عليها العقلاء، وإنما هي قضايا سياسية يختلف فيها رأي المرء نفسه بين ليلة وضحاها بحسب ما يستجد على الأرض. 

ومع هذا، فهم أكثر من يتهم الآخرين بأنهم عبيد، وبأنهم لا يفكرون باستقلالية، وبأنهم لا يؤمنون بالحرية، ولا بالديمقراطية، ولا بالإسلام إذا حمي وطيس الحوار.

وليست هذه العبودية الفكرية رد فعل على النكسة التي أصيب بها "إخوان" مصر، إذ من الطبيعي في الأزمات أن تتوحد الآراء المختلفة وتذوب الفروقات الفردية، وإنما هم كانوا يتحركون منذ "الربيع العربي" كأسراب الجراد اعتقاداً منهم أنه موسم الحصاد.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01