search
إصدارات
ارتباطات
احتلال العالم ببندقية قديمة
27/12/2013

كنت في أيام الابتدائية مولعاً بالتاريخ والجغرافيا اللذين لم يكن لهما منهج مستقل، وإنما كانت موادهما متناثرة هنا وهناك. وكانت تستهويني مطالعة الخرائط التي توضح مراحل توسّع الدولة الإسلامية بمختلف فتراتها، من دولة الخلافة إلى دولة الأمويين إلى العباسيين إلى التشظي إلى دويلات، ثم لملمة أجزاء كبيرة منها على يد العثمانيين.

وكنت أمعن النظر في المربعات الصغيرة الموجودة أسفل الخرائط (المفاتيح)، والملوّنة بألوان تميز كل مرحلة عن الأخرى، لأعرف مسار التوسعات، ومن أين بدأت، ومتى.

وكنت أطرب لكلمة "الفتوحات"، إذ لم أكن مهيئاً آنذاك لتقييمها والتمييز بين ما تم منها لإعلاء كلمة الله، وما كانت تقف خلفها أطماع المُلك ومراكمة الثروات.

كانت قيم الرجولة والبطولة والشجاعة تتجلى في نظري في "الفتوحات"، فعدا عن إلباس تلك القيم مفاهيم صبيانية، فإن تلك القيم هي التي يتمثّل بها الصغار في تصرفاتهم غالباً، غير مبالين كثيراً بقيم كالرحمة والشفقة والكرم وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم.

فأنت صغير بالكاد تحمي نفسك، فكيف ترحم من هو أكبر منك، وتشفق على هو من أقوى منك، وتجزل بالعطاء وليس في جيبك إلا درهمين، وتهب لمساعدة غيرك وأنت بالكاد تقف على رجليك، وتنصر مظلوما لتتلقى الضربة بدلاً منه!

كما أن التمثّل بتلك القيم، أو التظاهر بها، يضمن لك يوماً خالياً من مشاكسات بعض الأولاد العنيفين الذين كانوا يعترضون طريق الطالب الوديع ليطرحوا عليه هذا السؤال من دون مقدمات: تبغي تتضارب؟ (هل تريد العراك؟)، كما يمنحك هامشاً من الحركة مساءً، فتستطيع أن تذهب إلى البقالة المجاورة بصدر منفوخ كأنك فاتح القسطنطينية.

وأذكر كتاباً مدرسياً بعنوان "بطولات على ساحل الخليج"، يحكي قصة شاب يدعى خالد شارك في مقاومة الاستعمار البرتغالي للمنطقة. وساهم هذا الكتاب، وبعض الدروس المقررة عن البرتغاليين وفظائعهم في مسقط ومطرح ورأس الخيمة، في إضفاء البُعد المحلي على مسألة الفتوحات، فأصبحت مملوءاً بمشاعر الدفاع عن بلادي من جهة، وغزو الأعداء في عقر دارهم من جهة أخرى. 

وبالطبع، لا يمكن أن تقطع آلاف الأميال لملاقاة عدو بينما عدو آخر يغرز رمحه في خاصرتك، لذلك كان لا بد من القضاء على البرتغاليين أولاً، وكان ذلك يحدث كلما ذهبنا إلى منطقة "خت" برأس الخيمة، حيث المياه الكبريتية الساخنة التي تتدفق من بين شقوق في صخور بعض منحدرات الجبال.

وكانت توجد على سفح إحدى تلك الجبال قلعة أثرية، (ولا تزال موجودة)، فكنت وبقية أشقائي نصعد إلى هناك بعد الاستجمام في المياه الساخنة، وكان بعضنا يمثل دور الفونسو وسبستيان، وبعضنا دور خالد وراشد، فيجري بعضنا خلف بعض حول القلعة ونحن نحمل العصي نتخيلها بنادق. 

لم يتح لي عقلي الصغير إدراك أن زمن الفتوحات ولّى، وأن أقصى ما يمكن أن يفعله القوي هو فرض سيطرته على الضعيف بكل الطرق ما عدا نشر قواته على الأرض، فحتى الدول المحتلة تزعم أن الأجزاء التي تحتلها جزء لا يتجزأ منها، ولا تجرؤ على الإقرار بأنها تحتل أراضي الغير.

كنت لا أزال أعيش في عالم الفتوحات، وفي الوقت نفسه لم تكن هناك ألعاب فيديو أو ألعاب إلكترونية تمتص حماستي للقتال. لذلك استوليت على كتاب لإحدى شقيقاتي كان يسمى على ما أذكر "الأطلس المدرسي" يتضمن خرائط كثيرة ومفصلة لدول العالم، وأخذت أسقط على خرائط الكتاب قيم الرجولة والبطولة والشجاعة.

كان أول شيء فعلته هو إعداد المفاتيح، فرسمت مربعاً ولوّنته باللون الأخضر، وكتبت إلى جانبه سنة 1984. ثم رسمت مربعاً بالأحمر يشير إلى سنة 1985، وهكذا إلى سنة 1999، إذ لم أكن أتصوّر أن هناك عام 2000.

وتذكرت بندقية قديمة كانت قد أُهديت لأبي، لكن لم يكن أبي يحب وجود مثل هذه الأشياء في بيته، لذلك بقيت قابعة أسفل أحد الأَسرة، فتجاسرت وأخذت البندقية وخرجت من البيت بخطوات ثابتة ومنتظمة لملاقاة الأعداء، وفي يميني بندقيتي وفي شمالي خرائطي. 

كان ملعبنا الترابي يقع في قبالة منزلنا، لكنه لم يكن صالحاً للاستخدام الحربي، إذ كانت أرضيته مستوية، ولم أكن غبياً لأواجه الأعداء في أرض مكشوفة. فابتعدتُ عن البيت حيث المساحات الرملية الخالية، والتي تتناثر فوقها الشجيرات الصحراوية، وتتخللها الكثبان الرملية، الصغيرة منها والكبيرة.

وهناك، استحضرتُ مشاهد القتال في المسلسلات البدوية الأردنية، فكنت تارة انبطح أرضاً، وتارة أتقلّب على الرمال بصعوبة بالبندقية التي كانت ثقيلة علي، مطلقاً الرصاص بأصوات أصدرها من فمي.

وبطبيعة الحال، العالم ليس مجرد مساحات شاسعة غير مأهولة، فهناك مدن مكتظة بالناس وبالمقاومين، ولا بد من انتزاعها من بين أيديهم، ولا يمكن تصوّر حرب مدن بين كثبان الرمل.

كانت منطقتنا جديدة نسبياً، وكانت هناك الكثير من البيوت قيد الإنشاء، فتسللت إلى إحداها ورحت أجري في ممراتها وأقتحم غرفها وأنا أطلق الرصاص في كل اتجاه.

وكنت كلما استوليت على أرض أو مدينة، إذ كانت المعارك سلسلة من الانتصارات، عدت إلى الخرائط لأرى ساحة المعركة المقبلة، وهكذا إلى سنة 1999، حيث المعركة الأخيرة قبل السيطرة على العالم بأسره.

وفي طريق العودة إلى البيت متخيلاً نفسي أسير في طريق طويل تحف به الجماهير التي تهتف باسمي وتتغنى ببطولاتي، رآني أحد أشقائي وعرفت أن مشكلة ستحدث، فقد أخذ يصيح في وجهي لأنني أسير في الشارع حاملاً بندقية.

وبعد قليل كانت هناك معركة حقيقية في البيت، إذ ضربتني الوالدة ضرباً كأنها أمٌ ثكلى بولدها الذي قتلته في معاركي الوهمية.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01