search
إصدارات
ارتباطات
الحمحمة والمشمشة في التهنئة والتعزية
1/3/2014

كنت أتحاشى في صباي مواقف الترحيب والوداع والتهنئة والتعزية أو أي موقف آخر يتوقع فيه الكبار أن يسمعوا شيئاً غير "وعليكم السلام"، وإذا فوجئت نهار يوم العيد أثناء الخروج من البيت بدخول أحدهم وإمساكه بي مثل دجاجة تحاول الفرار، اكتفيت بطبع قبلة على غترته ثم مطالبته بلغة العيون بأداء حقي في العيدية، فإذا سألني بعد ذلك: كيف الحال؟ فإنني أرد: الحمد لله بخير، وكيف حال الوالد؟ بخير الحمد لله، وكيف حال جدك المتوفى؟ الحمد لله بخير.    

وبعد أن غطى الشعر وجهي وصار الجميع ينتظرون مني أن أردّد الكليشيهات الاجتماعية، قررت أن أقذف نفسي في لهوات المناسبات هكذا من دون حفظ الكلمات المعتمدة عُرفياً، معتمداً على نباهتي التي لن تتركني وحيداً في اللحظات الحرجة. وكانت النتيجة أنني رحت أفكّر في تهنئة العريس بالقول: "هنيئاً مريئاً"، وللترقية: "الله يرحمك"، أما عند التعزية، وهو موقف رهيب: "عقبال بقية الأهل".

والأمر نفسه راح يحدث لو كنت المُهنأ أو المُعزّى: "مبروك ما جاءك؟"، وتقال عند المولود، فكنت أفكر أن أردّ: "الحمد لله على كل حال"، وأظلّ هكذا أفكّر وأنا أصطنع ابتسامة على وجهي عند الفرح، وألقي شفتي السفلى على ذقني عند الحزن. ولم يكن أمامي والحال كذلك إلا التدرّب كأطفال المدارس، فإذا دعيت لحضور عرس، فإنني أقعد طوال الطريق أردّد: "منك المال ومنها العيال.. الله يطرح فيكما البركة"، وللاستظراف أفكّر أن أضيف: هل تريد حبّة البركة؟

ولأنهم قالوا: العلم في الكبر كالنقش على الماء، فقد كنت أبدأ في النسيان فور الاصطفاف في الطابور، وكلما اقتربت أكثر تبخّرت كلماتي أسرع، وحين أصبح المهنئ قبل الأخير، يحمرّ وجهي ويَعْرَقُّ جبيني، وبمجرد مدّي يدي مصافحاً أقول بتلعثم: "كيف الحال؟"، ولا أعرف ماذا يكون ردّ العريس، وأتوقع أنه يقول في نفسه: كحال جدتك.  

ورحت أخسر ثقتي في نفسي بعد كل "كيف حال"، وأخذت أخسر المزيد من نقاط الثقة كلما سمعت حكاية مضطرب مثلي، متخيلاً أن من اضطربت أمامهم يحكون حكايتي بدورهم للآخرين، ومن بين تلك الحكايات ما حصل لشخص التقى بصديق له بعد فترة انقطاع طويلة، فسأله عن آخر أخباره، فرد هذا بالحمد والشكر، فسأله عن والده، فقال بحزن: توفي والدي قبل سنة تقريباً. ولأن صاحبنا لم يتوقع هذا الرد، ولم يعرف ماذا يُقال بعد الشبع موتاً، فقال بتعلثم: بعده في نفس القبر (هل لا يزال في القبر نفسه؟).

أما الضربة القاضية فكانت في مجلس عزاء حضرته وكان من بين المعزّين عجوز ثرثار لم يغلق فمه لحظة واحدة، كأنه أخذ على عاتقه تغيير الجو، وفعلاً بدّد الغيوم حينما راح يسأل عن ملابسات الوفاة.

فقد ظنّ ابن المتوفى أن العجوز السائل بني آدم، فأخذ يسرد بتأثر: كان الوالد يعاني آلاماً في المعدة منذ سنوات طويلة، وأخيراً اتضح أنه مصاب بالسرطان، وحين نقلناه إلى ميونيخ كان الأوان قد فات. وقبل أن يبدأ الجميع في الحوقلة وشتم الأطباء، قال العجوز: "ما يشوف شر.. ما يشوف شر"، أي لا رأى مكروهاً، فما كان من المجلس إلا أن انقلب من عزاء ووجوم إلى ضحك وقهقهة، ولولا المبالغة لقلت إن أحدهم قفز من مكانه إلى وسط المجلس ودار حول نفسه، كما في جلسات الطرب الخليجي، فالرجل ينام تحت التراب والثرثار يدعو له بالشفاء.

واهتديت أخيراً إلى تكنيك الحمحمة والمشمشة، فصرت أصافح وأعانق مع إرسال همهمات غير مسموعة، والحمد لله أن أحداً لم يكن يسألني: ماذا قلت؟ ولو تصادف أن صاحبي من النوع الذي يسمع دبيب نملة يتيمة على صخرة ملساء صغيرة، فإنه لن يفهم معنى ما أقول، لأنه لن يسمع سوى: حمحم دمدمم مشمش كور.

ورحت ألجأ إلى العم "جوجل" كلما بعث لي أحدهم رسالة إلكترونية أو رسالة نصيّة أو تغريدة في "تويتر" تتضمن واحدة من عبارات المجاملة إياها، فأكتب في خانة البحث: ماذا يقال يا عم جوجل لمن يقول لك إني أحبك في الله؟ فيأتي الجواب: أحبك الذي أحببتني فيه يا ابني.. وانتهت المشكلة.

ومع هذا، فقد بقيت مكشوفاً مع كلمة "سلِمت" التي تقال فور وقوع حادث على حين غرة، إذ لا يمكن استخدام المشمشة في موقف من كلمة واحدة فقط، ولا يمكن أيضاً أن يقع كوب من يد جليسي، أو تمر قذيفة من فوق رأسه، فأوقف شريط الأحداث وأذهب إلى "جوجل" لأسأله، ثم أضغط على زر التشغيل وأصرخ فوراً: سلِمت.

ولم يكن عموماً الفشل في هذه المواقف يمثل مشكلة تحتاج إلى حل بالنسبة لي، فالاضطراب يحدث في محيط صغير وأمام أشخاص قلائل، إلى أن فوجئت - في أول لقاء تلفزيوني أجري معي على الهواء مباشرة- بالمذيع يرحب بي ثم ينتظر مني الرد والكاميرا موجهة نحوي، فإذا بي أمشمش كالعادة بينما هناك ميكرفون صغير لكنه قوي وحساس جداً مثبت على فروخة (طربوش) كندورتي.

وبقيت طوال الوقت أفكّر في المشمشة المنقولة بالصوت والصورة، رغم أنني كنت أعرف أسئلة اللقاء من قبل، وأحفظ لها إجابات عظيمة عن ظهر قلب، لكن لم يدر بخلدي أن المذيع سيرحب بي، ولم يخطر ببالي أنني سألجأ لا إرادياً إلى ذلك التكنيك الغبي، فكان اللقاء من أوله إلى آخره حمحمياً ومشموشاً.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01