search
إصدارات
ارتباطات
الحوار الديمقراطي في السفر الجماعي
26/10/2013

كنا نفتح ملف السفر الجماعي كلما سمعنا عن إجازة طويلة قادمة، فنطوف حول العالم ونحن مستلقون على رمال دبي، وفي كل مرة كان الحوار ينتهي بلا شيء، ثم نجد أنفسنا في الإجازة جلوساً في مقهى بأحد "المولات" القريبة.

وكان الحوار يبدأ دائماً باقتراح السفر إلى أميركا، فيرد أحدهم:

ــ والتأشيرات؟!

ــ وماذا عن نيوزلندا؟

ــ ونستقر هناك في مزرعة نربي فيها الخيول!

ــ لم لا نجرب تركيا؟

ــ من تجربة شخصية أستطيع القول إنهم ودودون مع العائلات لكنهم ليسوا كذلك مع الشباب.

ــ في الأردن أماكن تستحق الزيارة.

ــ ونقعد هناك نأكل "منسف" طوال الوقت!

ــ الكويت.

ــ البحرين أقرب.

ــ ما دمنا سنبقى في أجواء الحر والرطوبة، فأمامنا العاصمة أبوظبي؟

ــ ما دمنا سنبقى في الإمارات، فـ"المول" ينتظرنا.

وهكذا كان حالنا مع الرأي والرأي الآخر، سقف الرحلة يبدأ ببلد يحتاج الوصول إليه إلى 16 ساعة طيران، لينخفض إلى "مول" لا يستغرق الوصول إليه إلا إلى 16 دقيقة.

وفي مرة من المرات، توقفت الجولة الافتراضية المعتادة في مصر، وكلما حاول أحدنا إبداء رأي آخر، ارتفعت الأصوات تنادي: مصر.. مصر.

بعد يومين كنا تسعة أشخاص في المطار نتأهب للسفر الجماعي الأول بعد سنوات من الحوار الديمقراطي الفاعل.  

كنت واثنين آخرين قد سبق لنا زيارة مصر في رحلات مستقلة، لذلك كنا نتحدث عن الأماكن التي نعرفها، فأنا مثلاً وصفت مثل قط جائع طبق البط الذي التهمته في مطعم "فلفلة"، والآخر أخذ يردد طوال الوقت "المدبح" ويقول إنه مكان شعبي يقدم ألذ أنواع اللحوم المشوية، أما الثالث فوصف لنا رحلات القوارب في نهر النيل.

وصلنا القاهرة قبيل الغروب وتوزعنا على غرفنا في الفندق المطل على النيل، وبدأت الاتصالات تجري بين الغرف:

ــ أين سنذهب؟

ــ ما رأي أولئك الذين يعرفون القاهرة؟

ــ المدبح.

ــ فلفلة.

ــ ليس هذا وقت تناول الطعام.

ــ الرحلة النيلية.

ــ سيحل الظلام قريباً.

ــ مكتبة دائرة المعارف، أو مكتبة مدبولي.

ــ ليس الجميع من هواة القراءة.

ــ يمدحون القمصان القطنية لدى "عمر أفندي".

ــ هل نحن نساء؟!

ــ المتحف الفرعوني.

ــ خان الخليلي الذي نسمع عنه.

ــ الأهرامات.

ــ الأهرامات تستحق يوماً كاملاً.

ــ ما رأيكم بجولة على الأقدام في الأماكن القريبة؟

ــ ألا يمكن أن نرتاح اليوم ونبدأ برنامجنا غداً.   

ــ ليس أمامنا إلا ثلاثة أيام فقط.

ــ شارع الهرم.

ــ فلان لا يحبّذ.

ــ المدبح.

ــ فلفلة.

ــ النيل.

ــ لا يمكن أن نتفق إلا وجهاً لوجه، هلموا بنا إلى البهو لنتحدث بشكل جماعي.

ــ هل نرتدي ثيابنا أم ننزل بالبيجامات؟!

وأخيراً، تجمعنا في البهو وجرى النقاش نفسه بينما نحن نسير لا إرادياً إلى الخارج، وفجأة هتف أحدنا: يبدو أننا ابتعدنا عن الفندق.. أنا أرتدي "شبشب"!

عدنا إلى الفندق وجرى الحوار نفسه كأنه شريط كاسيت، وحين توقف الشريط أخذ صاحب اقتراح "المدبح" يصف لنا الكباب والريش والكفتة، ورغم أن بعضنا قال إننا لم نأتِ إلى مصر لنأكل وإنما لنشاهد حضارة عريقة وبلداً يوصف بأنه "أم الدنيا"، إلا أننا أوقفنا سيارتين أجرة بعد كثير من التردد.

بوصولنا إلى هناك، تهلل وجه صاحبنا بينما تغيرت وجوهنا نحن، فالمكان شعبي بشكل مبالغ فيه، فقادنا صاحبنا إلى أحد المطاعم، وسلّم على بعض العاملين فيه محاولاً تذكيرهم بزيارته للمطعم قبل سنوات! وبالطبع، تذكروه جيداً وبدأت الأطباق تأخذ مكانها على طاولتنا الكبيرة.

أبدى الجميع رضاهم عن مذاق الأكل فقط، أما كل ما لا يوضع في الفم، فقد أبدوا استيائهم منه: الأجواء، والنظافة، والروائح، والطاولات، بينما صاحب الاقتراح بقي يبلع شعوره بالندم على تبرعه بذلك الاقتراح.

عدنا إلى الفندق، وبعد خمس دقائق بدأنا الاتصالات المعتادة:

ــ وماذا سنفعل الآن؟

ــ سننام.

ــ نحن في القاهرة!

ــ أرجوكم لنتجمع في مكان واحد ونتفق على أي شيء.

وفعلاً، تجمعنا في إحدى الغرف ودار الحوار المعتاد، وفي النهاية تقرر أن نواصل الحوار المعتاد.

وفي الصباح، وبعد إفطار دسم وشهي، دارت طاحونة الحوار اللعينة وأخذت تطحن الاقتراحات الواحدة تلو الأخرى:

ــ آه.. بعد هذا الفول والبصل نحتاج إلى استراحة خاطفة.

ــ فعلاً.

ــ نصف ساعة تكفي.

ــ يا جماعة، تحلوا ببعض المسؤولية، فليس أمامنا إلا يومين اثنين فقط.

ــ كلامه صحيح، وكفى فلسفة، أين سنذهب؟

ــ بالطبع إلى الأهرامات.

ــ مكان يستحق الزيارة لكنني لن آتي معكم لأنني زرتها من قبل.

ــ يا جماعة، أنا لا أحب زيارة أي مكان يمكن مشاهدته في التلفزيون.

ــ ما هذا المنطق الغريب؟!

ــ حسناً، لسنا مضطرين للتحرك كمجموعة واحدة طوال الوقت.

ــ بالعكس، وإلا ما معنى السفر الجماعي؟

ــ أنا عن نفسي، سأذهب إلى شارع فيه مجموعة من المكتبات العريقة، وسأشتري كتباً وسأقرأها في مقهى على النيل، ثم سأتغدى في مطعم فلفلة.

ــ ذبحتنا بالفلفلة هذه؟ هل سيكون أفضل من المدبح؟

ــ بالعكس، لو ترك لي الأمر لأفطرت وتغديت وتعشيت هناك! أنتم تتحسسون من كل شيء.

ــ أنا لا أتخيل أن آتي إلى مصر ثم لا أجلس في الشرفة المطلة على النيل لأقرأ واحدة من روايات نجيب محفوظ.

ــ وماذا نفعل نحن؟َ! نحمل عنك أكياس الكتب مثلاً؟!

ــ ونعد لك القهوة أثناء القراءة!

ــ يا جماعة.. المطعم سيغلق أبوابه بعد قليل، لنصعد إلى غرفنا ونتفق على كل شيء.

ــ لن نتفق، والأفضل أن نسأل جماعة الاستقبال عن الأماكن السياحية القريبة.

وسألنا، وأخبرونا بأن المتحف الفرعوني قريب منا، ودار حوار بشأن المتاحف، وعن جدوى رؤية مقتنيات أشخاص ميتين، وعن الأيام المتبقية لنا في مصر، وقال أحدنا: أليست هناك برامج وثائقية عن ذلك المتحف؟

وبطريقة لا إرادية، وجدنا أنفسنا أمام بوابة المتحف الفرعوني، ودخلنا ثم خرجنا ثم وقفنا أمام المتحف نسأل بعضنا بعضاً عن الخطوة التالية. وبطريقة لا إرادية أيضاً، وجدنا أنفسنا نتحدث عن برنامج الرحلة ونحن نسير إلى الفندق، ثم وجدنا أنفسنا ندخل غرفنا ولم نتفق بعد على أي شيء.

وبعد قليل، بدأت الاتصالات الجانبية وأخذ الحوار مجراه المعتاد.

ولن أطيل عليكم، فقد مر الوقت ونحن نتحاور إلى أن وجدنا أنفسنا في المطار نستعد لصعود طائرة العودة.

ومنذ تلك الرحلة التي مضى عليها نحو سبع سنوات، وأنا أردد جملة واحدة كلما تحدثوا عن السفر الجماعي:

مع وجود قائد، حتى لو كان أخرقاً، يمكن لمليون شخص أن يذهبوا إلى القمر، ومن دونه لا يستطيع شخصان الذهاب إلى "المول" القريب من منزلهما.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01