search
إصدارات
ارتباطات
حين كنت أتعاطى المخدرات
15/3/2014

كانت غرفتي في منزل والدي متراً في متر، لدرجة أنني كنت أفتح باب الغرفة وأنا على السرير، لكن كان المكيف من طن أو أكثر ويكفي لتبريد الربع الخالي.

وفي إحدى ليالي النوم في الثلاجة شعرت بالحاجة إلى الذهاب إلى الحمام، وما إن وضعت قدمي على الأرض حتى سقطت مثل قتيل بالرصاص وارتطمت رأسي بخزانة الثياب، وبقيت للحظات أفكّر: ألست صغيراً على التقاعد عن المشي؟ ورحت أبكي على حالي وأنا أحبو نحو الحمام متخيلاً أن الإجراء الذي يلي الحبو هو ارتداء الحفاظة.

استطعت بصعوبة الوقوف في الحمام، وكنت لا أزال أشعر بثقل رهيب في قدمي حين عدت إلى السرير وأطفأت المكيف، وفسّرت الأمر بأن الدم تجمّد في عروقي، وأنه لولا لطف الله وانتباهي من النوم، لذهبت إلى عملي في الصباح على كرسي متحرك.    

وحين أفقت من النوم على جرس المنبّه، كنت أشعر بأن بوادر الشلل خرجت من جسمي مع العرق الغزير الذي كنت غارقاً فيه. وفي مساء اليوم نفسه، فتحت نافذة الغرفة المطلّة على فناء البيت ونمت هكذا بلا مكيف. وبقيت لفترة ألقي بنفسي على السرير ثم أنهض في الصباح مبللاً من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، خصوصاً أن الوقت كان صيفاً والرطوبة تفتك حتى بالحديد. 

وفي إحدى التجمعات العائلية، جلس شقيقي الأكبر إلى جانبي وأخذ يسألني عن أحوالي، ثم فجأة نظر إلى ذراعي وأدهشني بقوله إنه يرغب في قراءة كفي، فأعطيته يدي وقلت في نفسي لعله قرأ البارحة كتاباً عن قراءة الكف ويريد اليوم تجربة ما قرأه، لكن شقيقي كان يضع ظاهر كفي بين يديه بينما يسدد نظرات فاحصة إلى ذراعي، وبعد قليل من الكلام الذي لا معنى له طلب قراءة كفي الأخرى، ثم لم يتمالك نفسه وقال إنه يرغب في محادثتي في غرفتي.

مضيت خلفه وأنا أفكّر في الأسرار التي توصل إليها بعد قراءة كفي، وحين دخل وجدته يمسح المكان بنظراته كأنه رجل مباحث، ثم فوجئت به يستدير ويقف في مواجهتي ويسألني بلا مقدمات: هل تتعاطى المخدرات؟ لم أجد على ذراعيك آثار حقن الإبر، لكن هل تتعاطى شيئاً غير الهيروين؟

فما كان مني إلا أن ضحكت نافياً حتى مجرد التفكير في تعاطي تلك الأشياء، ففاجأني بسؤاله إياي عن سبب نومي من دون تكييف، فأخبرته بحكاية الشلل، وحين اطمئن إلى صدق روايتي، أخذ يضحك هو الآخر وقال إنه وبقية أشقائي تواصلوا فيما بينهم وتوصلوا إلى أنني قد أكون مدمناً على المخدرات.

فقد لاحظ أحد أشقائي أثناء مروره أمام نافذة غرفتي أنني أسبح في العرق كل ليلة، ويبدو أنه أسقط عليّ معلومة كان قد سمعها عن إحساس المدمن بالبرد الدائم، فأخبر البقية بالأمر، وكان هذا المكعب الأول في لوحة إدماني.

وتحدث أشقائي كما عرفت ذلك لاحقاً عن صحيفة سوابقي المنزلية في أيام المراهقة، وقالوا إن من كان يكسر زجاج السيارات قبل سنوات قليلة، يمكن أن يتعاطى المخدرات بعد ذلك. وقالوا إن بعض المصادر الموثوقة تفيد بأنني أدخّن السجائر، والتدخين بوابة التعاطي كما تقول الملصقات التحذيرية.

وتذكروا أنني تحدثت أمامهم مرة عن المخدرات التي ألمسها بيدي في مقر عملي، إذ كنت في تلك الأيام أعمل كاتباً للتحقيقات في النيابة العامة، وكان من مهام عملي فتح أحراز المخدرات التي ترفقها الشرطة مع ملفات المتهمين، ومن ثم إعادة تحريز تلك المواد بعد مواجهة المتهمين بها، وإرسالها إلى المختبر الجنائي للتحقق من ماهيتها ونوعها ووزنها، وقالوا إنني ربما أحتفظ لنفسي أثناء ذلك ببعض الغرامات البسيطة خصوصاً إذا كانت الكمية المضبوطة كبيرة، "ولا من شاف ولا من دري".

وقالوا أيضاً أنني ربما بدأت تجربة المخدرات من خلال تعاملي معها، والتقائي بالمتهمين في قضايا المخدرات، ثم رحت أتعامل مع هؤلاء مباشرة ولا أكتفي بالكميات البسيطة، خصوصاً أنني أحصل على راتب شهري لا يشاركني فيه أحد، فلم يكن لي آنذاك زوجة ولا بيت ولا ولد. كما لاحظوا أنني لا أتأنق في مظهري، ولا أختلط بالناس كثيراً، وكل هذه من أعراض المدمنين.

وعلى الرغم من أن شقيقي اطمئن إلى أنني لا أتعاطى ولا هم يشمّون، فقد قلت له إن السوابق قديمة ولا ترقى إلى مستوى الجرائم، كما أنكرت أمامه تدخين السجائر، وأوضحت له أن التعامل مع المخدرات يتم تحت إشراف وكيل النيابة وبحضوره، ولا يمكن الاحتفاظ بمثقال ذرة من المخدرات أثناء ذلك، وأن نصف الراتب الشهري يذهب في شؤون البطن، ونصفه الآخر يذهب كأقساط جامعية، وأنني لا أتأنّق لأن الأناقة والكرش لا يلتقيان، وأنني منعزل بسبب ضيق الوقت، ففي الصباح أعمل، وفي المساء أدرس.

وكانت أول المعطيات التي جمعها أشقائي هو النوم في الحر، وبسبب عدم معرفتهم بموضوع الشلل الذي أرعبني، جاءت المعطيات الأخرى لتؤكد المؤكد، ولتكتمل في أذهانهم الصورة النهائية المؤسفة: شقيقهم الصغير السمين ملقى على سريره وغارق في عرقه بعد أن أخذ جرعة من المخدرات.   

وهكذا يحدث مع كل من يمارس لعبة الاستنتاج من خلال المعطيات، فيقول إن هذا الشخص، أو هذا الوزير، أو هذا النظام، كذا وكذا بناء على معطيات وجدها بين يديه، وربما تسبب غياب معلومة صغيرة جداً عنه، كالدافع من النوم في الحر، إلى استنتاج خطير كتعاطي المخدرات.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01