search
إصدارات
ارتباطات
نزرع فكراً ونحصده واقعاً
26/9/2013

من أكثر الأفلام خسة في نظري فيلم أميركي يحمل الرقم 13، وأول ما خطر ببالي بعد الانتهاء من مشاهدته هو: كم شخصاً تراجعت قيمة الروح البشرية في نظره بسبب هذا الفيلم؟ وكم شخصاً فكّر جدياً في محاكاة فكرته؟ وكم شخصاً سيبدأ في تنفيذها فعلياً ولو على نطاق أضيق، وبطريقة أقل إجراماً؟

يحكي الفيلم عن لعبة مقامرة بالحياة وبالمال، إذ يلتقي بعض الأثرياء في منزل بعيد عن العيون للمقامرة بأموالهم، مصطحبين معهم أشخاصاً فقراء أو بائسين مستعدون للمقامرة بحياتهم، حيث يصطف هؤلاء على شكل حلقة دائرية موجهين فوهات مسدساتهم إلى رؤوس بعضهم بعضاً، وعند انطلاق الشارة، يضغط الجميع على الزناد، فيسقط أحدهم قتيلاً، إذ ليس هناك إلا مسدس واحد محشو برصاصة واحدة، أما بقية المقامرين فإنهم يهوون في حالة انهيار عصبي. ثم تضيق الحلقة شيئاً فشيئاً بموت المقامرين الواحد تلو الآخر، إلى أن يبقى المقامر الأخير الذي يتقاسم قيمة الرهان مع الثري الذي قامر به.  

وفي الجانب المقابل، أعتقد أن الفيلم الألماني "حياة الآخرين" هو من أفضل الأفلام السينمائية نبلاً،  ففي هذا الفيلم الذي تدور أحداثه في ألمانيا الشرقية سابقاً، يخضع النظام عدداً من الأدباء المناهضين للاشتراكية لعمليات تجسس في بيوتهم، ويكلّف أحد القادة الأمنيين بالتجسس على أحدهم، وبعد فترة يصل الرجل إلى قناعة بأن ما يفعله الكاتب صحيح، ويبدأ في كتابة تقارير مغايرة لما يحدث، في محاولة منه لإبعاد الشبهة عن الكاتب والحيلولة دون معاقبته، ولا أحب أن "أحرق" الفيلم على من لم يشاهده، فبقية أحداثه مشوقة وتنتهي بمشاهد تهز المشاعر.

وسواء أكانت فكرة الفيلم الألماني خيالية أم مستقاة من أحداث واقعية، فيكفي أن يطرح المرء فكرة ولو كانت خيالية، ليلتقطها غيره ويطورها ويجعلها واقعية، وتذهب إلى غيره فتصبح على يديه عملاً نبيلاً ينفع البشر، ومن ضمنهم صاحب الفكرة نفسه، أو أحد ممن يهتم بهم، ولو بعد سنوات طويلة.  

أما مؤلف قصة الفيلم الأميركي، فإنه كمن يفقأ عينيه بيديه، فحتى لو كانت قصته خيالية، فربما يقع عليها شخص غيره ويطورها ويجعلها واقعية، وتذهب إلى غيره فتصبح على يديه عملاً خسيساً يضر البشر، ومن ضمنهم المؤلف نفسه، أو أحد ممن يحبهم ويتمنى لهم الخير والسعادة. ولولا أن مُشاهد الفيلم يستشف من نهايته أن طريق الشر ينتهي بالمواجع والخسران، لاعتقد أن مؤلف القصة هو الشيطان بعينه.

سواء كنا مؤلفين أو لم نكن كذلك، فنحن من نصنع واقعنا، وكل فرد منا يساهم في الصنع ولو بنسبة بسيطة، وفكرة أن مجموعة محددة في أي مجتمع هي من تشكّله من أوله إلى آخره غير دقيقة، كما يبتعد عن الصواب من يعتقد أن الأمور تحدث باستقلالية، فكل شيء يأتي من شيء، ويؤدي إلى شيء، مثل السلسلة المتصلة، أو لعلها مثل حلقة المقامرين في ذلك الفيلم البشع، فتداول الأفكار القبيحة بين الناس؛ يشبه تحلقهم حول بعضهم بعضاً وتوجيه كل واحد منهم مسدسه إلى رأس الآخر، وتداول الأفكار الجميلة بينهم، يشبه تقديم كل واحد منهم وردة إلى الآخر.

وهذا الحديث لا علاقة بالجدل القديم بين من يؤمنون بأن الفن رسالة وهدفه إعلاء القيم الجميلة، وبين جماعة "الفن من أجل الفن" الذين يرفضون فكرة أن يتربع الفن على المنبر ويخطب بالمواعظ الحسنة، وإنما في أننا سنحصد، أو سيحصد أبناؤنا، واقعاً زرعناه نحن بأفكارنا.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01