search
إصدارات
ارتباطات
ماذا يفعل العاجز عن المحاكمة؟
28/11/2013

 بينما كنت أتنقل بين القنوات الفضائية، توقفت عند إحداها بعد أن سمعت شيئاً غريباً، وهو أن الختان شرط من شروط دخول الإسلام، بينما الذي أعرفه أن الختان مجرد سُنة من سنن الفطرة كما يوصف.

تبين لي بعد قليل أنها قناة دينية مسيحية، وكان برنامجاً يتحدث فيه الضيوف عن الإسلام، إما بتحريف تعاليمه، كما في مسألة الختان، ثم التعليق على ذلك الشيء المحرف الذي لا يمت لحقيقة الإسلام بصلة، وإما بذكر نصف الحقيقة، وانتقاد ذلك النصف الذي لو وُضع نصفه الآخر إلى جانبه لما كان هناك مقتضى للانتقاد.

كما فعلوا عند حديثهم عن وعد القرآن المؤمنين بحور العين في الجنة، بينما لم يوعد المؤمنات بذلك، وهو ما اعتبروه تفضيلاً للرجال على النساء. بينما النصف الآخر من الحقيقة يقول إن اختلاف نظرة الإسلام للرجل والمرأة أساسه التصنيف وليس التفضيل، وأن الأب قد يوعد ابنه بتزويجه من فتاة آية في الحسن، بينما لا يليق به أن يوعد ابنته بتزويجها فحلاً من الفحول، كما يقول أحد الدعاة المسلمين. 

وكان واضحاً لي أن البرنامج غير معني بالتبشير بالدين المسيحي من خلال النيل من الدين الإسلامي وإلقاء الشبهات حوله، إذ من السهل على المسلم الذي لديه إلمام بسيط بدينه، أن يكتشف عدم دراية أولئك المتحدثين بالإسلام. والذي بدا واضحاً أنه موجّه للمسيحيين، لقطع الطريق إلى الإسلام أمامهم.

بقيت أتابع البرنامج كنوع من اختبار لثقافتي الدينية، ولأرى إن كنت أعرف الحقيقة التي يحاولون تغطيتها بالمزاعم والأقاويل، لكنني في الوقت نفسه، بقيت أفكّر في الكثير من البرامج، الدينية والسياسية والفكرية والاقتصادية، التي تابعتها على مختلف القنوات وعلى مرّ السنين، ولم أكن أمتلك الخلفية الثقافية لما يُطرح أمامي، ومن ثم كنت عاجزاً عن محاكمة وتقييم الأحكام التي يصدرها الضيوف في شتى الموضوعات.

استطعت بسهولة، لأنني مسلم، ولدي ثقافة دينية لا بأس بها، كشف مغالطات ذلك البرنامج، ومحاولة تضليل جمهوره المسيحي، الذي لا يختلف من حيث عدم قدرته على محاكمة تلك الأقاويل، لعدم امتلاكه خلفية عن الدين الإسلامي، عني كمسلم، قد يتابع برنامجاً ينتقد فيه ضيوف مسلمون الأديان الأخرى، وربما المذاهب الإسلامية الأخرى، التي لا أملك عنها معلومات كافية كنت قد استقيتها من كتبهم، ومن المصادر المعتمدة لديهم.

وبعيداً عن الإسلام والمسيحية والأديان والمذاهب، ففكرة أن يتبنى المرء رأي غيره، ويعتمد حكمه في مسألة ما، وهو لا يملك خلفية عن تلك المسألة، وليس مؤهلاً لخوض محاكمة عقلية لرأي ذلك الغير وحكمه، هي فكرة تسخر من نعمة العقل التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات، مهما كانت مكانة ذلك الذي يدلي برأيه، وشهرة القناة الفضائية التي يطل منها، أو فخامة تجليد الكتاب الذي وضعه.

وبطبيعة الحال، ليس من المعقول أن يفني الناس أعمارهم في تكوين خلفيات ثقافية عن كل ما يُطرح أمامهم، لكن المعقول ألا نتبنى بالكامل آراء في مسائل لا نعرف عنها شيئاً لمجرد أننا نعرف قائلها، أو لا يسعنا البحث عن حقيقة تلك الآراء، ومن الأفضل معاملة الآراء التي لا نملك خلفيات عن موضوعاتها وفق قاعدة "لا نصدّقها ولا نكذّبها".


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01