search
إصدارات
ارتباطات
أصدّقك أم أصدق وجهي المصفوع؟!
21/11/2013

رغم أن التركيب اللغوي "بما أنّ" دخيل على اللغة العربية، إلا أننا نستخدم هذا التركيب في كل مناسبة كمعادلة تقفز إلى الدماغ، وعلى ضوء نتائجها نتصوّر الأمور ونحكم على الأشياء.

وقد تصدق معادلة "بما أن" مع الأشياء الثابتة، كأن أصعد بناية من خمسة طوابق من خلال السلالم، وعند الطابق الثالث أشعر بالإرهاق، وعند الطابق الرابع أشعر بالدوار، وأسقط على الأرض عند الوصول إلى الطابق الخامس.

يمكنني بعد ذلك، وكلما فكرت في صعود السلالم، أن أقول: بما أن لياقتي البدنية لم تتحسّن، فإنني لن أصعد السلالم التي لم تتغير بدورها.

لكن كيف يمكن استخدام هذه المعادلة مع الأشياء المتغيرة، والتي تؤثر فيها عناصر كثيرة متحركة ومتداخلة، مباشرة وملتوية، ظاهرة وخفية، محسوسة وغير محسوسة، مدبّرة وعفوية؟!

كأن يُستدعى شخص في بلد عربي إلى التحقيق، وما أن يضع قدمه في المبنى الأمني؛ حتى تنهال عليه الصفعات، ثم يقعد في المقهى يستمع إلى نشرة الأخبار، وكلما سمع عن إحالة شخص في أي بلد عربي إلى التحقيق، هز رأسه وحوقل وقال: بما أن المسكين محال إلى التحقيق في دولة عربية، فإن الصفعات ستنهال عليه ما أن يضع قدميه في المبنى الأمني.

ولا يكتفي هذا بالوقوف موقف المتعاطف من بعيد، بل يحاول مد يد العون لصاحبه، فيشمّر عن ذراعيه ويبدأ في الكتابة منافحاً عن شخص لا يعرفه، ولا يعرف قضيته، ولا يعرف أي شيء عن الموضوع سوى أنه دخل مبنى بغرض التحقيق.

ولو جلست سنة تحاول إقناعه بأن الأوضاع في ذلك البلد تختلف عن الأوضاع في بلده، بل هي متغيرة في البلد الواحد بين ليلة وضحاها، ومن مؤسسة إلى أخرى، بل ومن فريق مناوب إلى فريق آخر، فإنه لن يتزحزح عن موقفه القائم على "بما أن"، وسيقول: هل أصدّقك أم أصدق وجهي الذي تلقى الصفعات؟!

العكس يحدث أيضاً، فتجد مواطناً عربياً يشعر بالأمان كلما مرّ من أمام مركز الشرطة، وفي كل مرة كان لديه معاملة لدى أحد الأجهزة الأمنية، عُومل باحترام، فإن رأى على شاشات الفضائيات مواطنين في بلد عربي آخر، يحاصرون مقراً أمنياً، ويقذفونه بالحجارة، فإنه يهز رأسه ويقول: بما أن الأجهزة الأمنية تعامل الناس باحترام، فإن هؤلاء مجموعة من الأوباش. نقطة آخر السطر.

ولو أقسم له أحد المتضررين من تلك الأجهزة، بأن ذلك المقر يستخدم في تعذيب الناس وانتهاك أعراضهم، لقال فوراً: تظل هذه أجهزة أمنية تجب حمايتها من الغوغاء. بينما الحقيقة أن الغوغاء هنا هم الذين يعاملون الناس بتلك الطرق الهمجية.

وبما أنني مواطن في بلد عربي، وحقوقي مصانة، وكرامتي محفوظة، والمستقبل الزاهر لأولادي أراه بعيني، فإن "الربيع العربي" في أي دولة عربية ليس إلا مؤامرة وحلقة في مسلسل الفوضى الخلاقة.

وبما أنني لا أجد وظيفة أعيل بها أسرتي، وبما أنني أتلقى الصفعات من شرطي المرور، وبما أن الأفق مسدود بسحب الانهيار والانفلات والفساد والظلم، فإنه لا بد من "ربيع" يكتسح سائر أنحاء الوطن العربي.

وهكذا في كل شيء، في الأنظمة والقوانين والمشروعات والمؤسسات والصحافة والأسواق والساسة والتجار والمهن والوظائف.. فبما أنها ممتازة في بلدي، فهي ممتازة في كل مكان آخر، وبما أنها سيئة في بلدي، فهي كذلك في كل مكان.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01