search
إصدارات
ارتباطات
الزوجة السعيدة لا تطلب الطلاق
31/10/2013

يبدو أن اختزالاً يجري لـ"الربيع العربي" في كونه حالة من الفتن المظلمة والفوضى الخلاقة عملت عليها منظمات مدعومة من جهات أجنبية درّبت الشباب على أساليب التغيير، بهدف تفتيت الدول العربية إلى دويلات صغيرة، فتضمن أميركا بذلك السيطرة على منابع النفط، وتضمن إسرائيل العيش في راحة وسلام.

وللأسف، هذا التحليل التآمري يتوسع يوماً بعد آخر، ويوشك أن يبتلع مسببات "الربيع" الحقيقية، لنمضي بعد ذلك إلى شؤوننا مكتفين بالتحذير من تلك المنظمات المشبوهة، رغم أننا نعرف أن أوضاع الدول التي اجتاحتها أمواج "الربيع" لم تكن تسر شعوبها في المقام الأول وقبل كل شيء، وأن أصل المشكلة كان في الداخل، ولا يهم بعد ذلك إن كان الشيطان شخصياً هو الذي يحرك الأمور من وراء الكواليس، مثلما لا يهم وجود لئيم يحوم حول امرأة متزوجة، ووجود محام انتهازي يفرش درب الطلاق أمامها بالورود ليقف في نهايته ويقبض منها أتعاب الدعوى، إذا كانت تلك المرأة أصلاً تعيش في بيت لا تتوافر فيه أبسط مقومات الأسرة السعيدة.

وحين سُئل لقمان الحكيم، ممن تعلمت الحكمة؟ قال: من الجهلاء، كلما رأيت منهم عيباً تجنبته. ولو سُئل أكثر الناس ورعاً: كيف وصلت إلى هذا الورع؟ فإنه سيقول: حين تجنبت السير في طرق المرائين. ولو سُئل أشجع الناس، فسيقول: رأيت ما يصنع الجبناء، فصنعت عكس ما يصنعون.

وهذا هو المأمول فعله من الدول التي بقيت في مأمن من "الربيع العربي"، أن تنحي فكرة التآمر من مخيلتها وتذهب مباشرة إلى الأسباب الحقيقية لما حصل، والتي لولاها لما استطاعت المؤامرة المفترضة أن تسقط في دول "الربيع" مؤسسة واحدة، ناهيكم عن إسقاط أنظمتها.

ولن يغني عن الحق شيئاً توجيه السباب لـ "الربيع العربي" ووصفه بالجحيم العربي، أو الخريف العربي، أو الفسيخ العربي، أو حتى الحمار العربي، فحتى لو كانت هذه النعوت صادقة، فإنها دليل إضافي على فشل تلك الدول التي لم تستطع أن تتغير إلى الأفضل لعدم توافر أرضية صالحة للتغيير، مثل أب نشّأ أولاده في جو من الحرمان إلا من الضرب والركل، وحين تمردوا عليه، قتلوا والدهم وذهبوا إلى السجن.   

وربما تبرز مسألة الخصوصية هنا، ليقول قائل إن لكل دولة خصوصيتها، ومن ثم لا فائدة من البحث في أسباب فشل هذه الدولة أو تلك. لكن هذا الكلام غير دقيق، فالفشل يبقى فشلاً مهما تعددت وجوهه ومستوياته، إذ تقع يومياً آلاف الحوادث المرورية في أنحاء المعمورة بسبب السرعة الزائدة، ومع هذا، فليس هناك حادث يشبه الآخر تماماً، إذ لكل حادث وقع بسبب السرعة خصوصيته، من حيث مقدار السرعة الزائدة، وحالة الطريق، ووضع المركبة، وحالة السائق، ومع هذا، فلو أحصيت تلك الحوادث وجرى البحث عن أسبابها، فستكون السرعة الزائدة هي العامل المشترك بينها، سواء لمن كان يقود سيارة متينة الصنع وعلى شارع مجهّز بشكل جيد وفي طقس صحو، أو من كان يقود سيارة متهالكة، وعلى شارع ملغوم بالحفر، وفي جو عاصف.  

ومثل لقمان الحكيم الذي تعلم الحكمة من الجهلاء، علينا كحكومات وأفراد أن نتعرف إلى أسباب الفشل من الفاشلين لئلا نقع فيها، وقد وُصف رجل عند عمر بن الخطاب بأنه لا يعرف من الشر شيئاً، فقال: ذلك أوقعٌ له فيه. وإن كان لا بد من ربط ما حدث بمؤامرة ما، فليكن البحث عن أسباب نجاح تلك المؤامرة في دول "ناجحة".  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01