search
إصدارات
ارتباطات
التاريخ والسفر إلى المريخ
13/3/2014

إذا كان الماضويون - الذين يعيشون خارج العصر ويجترون التاريخ ويشدوننا إلى أحداثه ومآسيه وأعبائه - يقفون ضد التطور وضد البناء وضد التنمية، فإن الذين يزعمون بأن التاريخ لا يساهم في صنع الحاضر يقفون ضد المنطق.  

الماضي لا يصنع الحاضر كما تصنع الآلة المنتج، ولا يؤثر الماضي في الحاضر كأنه (1+1=2)، لكن هناك تأثير ما يصعب تجاهله، وإلا لم نسأل عن ماضي من يتقدم للزواج من أخواتنا؟ ولم تحتفظ الشرطة بصحيفة سوابق المجرمين؟ ولم يسأل الأطباء المرضى عن التاريخ المرضي لعائلاتهم؟ نفعل ذلك لأننا نعلم أن ماضي الإنسان يلقي بظلاله على حاضره.

إذا كانت "شوية" جينات تنتقل إلى الإنسان من أسلافه تترك أثراً في خصائصه، أفلا تؤثر فيه روحهم ومشاعرهم ومقاييسهم؟ نعم البيئة التي ينشأ فيها المرء لها دور في تشكيل خصائصه، لكن تظل الجينات لاعباً رئيسياً في حياته. وهكذا بالنسبة للجانب الآخر من الإنسان.

كل أمم الأرض تتأثر بتاريخها، لكن الأمم الناجحة تجرد تركة الماضي، وتصفّي حساباته، وتصل إلى نتائج ختامية، وتصادق عليها، ويصبح التاريخ بالنسبة لها للعظة والاعتبار. فأوروبا لن تسمح اليوم بأن يتدخل رجال اللاهوت في شؤون الحكم، لأن النتائج الختامية التي صادقوا عليها تقول إن أحد أسباب حروب الماضي ومآسيه وتخلفه كان ترك ذوي التيجان المثلثة يسرحوا ويمرحوا خارج كنائسهم.

وليس في الغرب من يدافع عن أفكار هتلر ويصفه بأنه قائد عظيم، اللهم إلا بعض المجانين، فقد طوى الأوروبيون صفحة هتلر بعد أن وضعوا إمضاءهم أسفل عبارة: كان متطرفاً وعنصرياً وملعوناً لعنة أبدية. لذلك، من الصعب أن يظهر هناك هتلر جديد، وهنا تكمن الاستفادة من التاريخ، وهذا معنى أن التاريخ يساهم في صنع الحاضر.

ولا أحد يدعو لاعتماد رواية واحدة لكل التاريخ، إذ تظل هناك قراءات متعددة لأحداثه، لكن لا بد من وجود خطوط عريضة، كما أن القراءات المتعددة ينبغي أن تتم وفق ضوابط وأدوات ليس من بينها التحوير والتزييف.

نحن لم نفعل كل ذلك، بل لا يزال بعضنا يجتر التاريخ رافضاً أن يخرجه من فمه ليرى ما فيه، وبعضنا الآخر يتصوّر أننا إذا تركنا التاريخ على الرف، فإننا في اليوم التالي سنمشي في مناكب الأرض وسنصبح من عمّارها، وسنطير إلى الكواكب الأخرى ونمسي من سكّانها، ولا يقول لنا كيف يمكن للشركاء في شركة تعرضت للإفلاس البدء في شراكة جديدة بينما شركتهم المفلسة مقفلة وخلف بابها كراتينٌ من المستندات والفواتير التي لم يبت فيها، ولا يزال كل شريك ينظر لبقية الشركاء كأنهم المسؤولون وحدهم عن إفلاس الشركة؟!

ومن دون العودة إلى الماضي وأحداثه، كيف نرد على من ينادي بعودة دولة الخلافة؟ هل نقول له إن المركبة التي أرسلتها أميركا إلى المريخ عادت إليهم بصخور جميلة؟! وماذا نقول لمن يمارسون الإرهاب، أو يبررونه، استناداً على الكتب الصفراء؟ هل نعود معهم إلى تاريخ أولئك المفتين والأحداث التي عاصروها، أم نحدثهم عن الجينوم البشري؟!

وكيف نفهم إلقاء طائرات قوات بلد البراميل المتفجرة على رؤوس مواطنيه؟ فهل هي ثقافة؟ فإن كانت كذلك، فمن أين أتت؟ وما هي جذورها؟ وستجرنا هذه الأسئلة إلى الماضي، إلا إذا كان إلقاء البراميل جزءاً من اختبار علمي!

يريدون أن تكون النقاشات في التنمية، وفي إعمار الأرض، وفي المشتركات بين المسلمين، لكن كل هذه النقاشات تحتاج إلى أرضية يقف عليها الجميع ويبنون فوقها، ونحن أمة نصف أنفسنا بأننا اتفقنا على ألا نتفق. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01