search
إصدارات
ارتباطات
هو يأكل الحشائش وأنا أبكي
8/2/2014

طلبت من صديقي بعد أن استقر بنا المكان في الطائرة بأن يدعو الله ليبقى المقعد الثالث شاغراً، بعد أن ترك لي المقعد الوسطي وجلس بالقرب من النافذة، وكنت أقول له كلما رأيت مسافراً يدخل الطائرة بمفرده: "أرجو ألا يكون هذا"، فيقول صديقي مداعباً: "بالعكس.. شكله ابن حلال"، فأتنفس الصعداء بعد أن يمر الرجل ويخبط حقيبته في الرؤوس التي غفل عنها أصحابها. وكنت كلما أرى حسناء قادمة، أهتف بأمل: "فلتكن هذه"، لكنها تمضي ولا تترك على المقعد الثالث سوى تخيلاتي برحلة سعيدة.

ودخل مسافر وهو يضع حقيبة كبيرة على رأسه، وقلت لصديقي إنني سأترك الطائرة لو كان تاجر الشنطة هذا من نصيبي، ولحسن الحظ أنه مرّ من جانبنا بسلام، لكن بعد دقيقة لمحت شيئاً بني اللون يقترب مني من الخلف، فإذا بالرجل نفسه والحقيبة لا تزال فوق رأسه، ووقف مستأذناً بالجلوس، فأومأت له برأسي مرحباً بينما صديقي يضربني بمرفقه ضربة خفيفة بقصد الشماتة.

بعد أن وضّب تاجر الخردوات حقيبته السخيفة في الصندوق العلوي للطائرة، جلس إلى جانبي بحذر، بينما صديقي كان يرسل لي الضربات الجانبية كلما مرّت فتاة، بما يعني أن أحلامك تبخرت يا صابر، وانتهى طول صيامك بالإفطار على بصلة.

لم يكن أمامي إلا التسليم بحظي السيء في هذه الرحلة التي ستستغرق سبع ساعات، فمن يضع حقيبة على رأسه وهو يدلف إلى الطائرة، من الطبيعي أن يتصرف بغرابة بعد ذلك، فيخلع حذاءه مثلاً ويدخل في معركة مع العلكة الملتصقة تحته، والمهم أنه سيرفع ضغطي وضغط الغلاف الجوي من حولنا.

 بعد أن حلقت الطائرة في الجو بفترة قصيرة، جاءت المضيفة وهمست في أذنه، فهمس صديقي بدوره في أذني وقال بأن الرجل من النوع الذي لن يتوقف عن الطلبات الغريبة، وفعلاً، حضرت المضيفة بعد قليل وهي تحمل صينية الطعام ووضعته أمامه.  

كانت هذه فرصة لإزجاء الوقت وتحليل الموقف، وفي البداية اتفقنا على أنه لا يعرف العربية ويمكننا التعريض به كما نشاء، ثم اتفقنا على أنه سخيف، وأنهم أحضروا طعامه قبل الآخرين لأنه نباتي ويخشون أن تختلط الأشجار التي سيأكلها بالأطعمة التي يأكلها البشر العاديون، فعلى الرغم من أن طبقه الرئيسي كان مغطى بالألمنيوم، إلا أنه كان واضحاً من "إكسسوارات" الوجبة أنها خالية من أي شيء حيواني المصدر.

لكن الذي لم نتوصل إلى معرفته هو سبب جلوسه كالصنم من دون أن يمد يديه إلى الكلأ الذي أحضروه له؟! وما دام هو لا يشعر بالجوع ولا يرغب في الأكل، فلم طلب وجبةً من الأساس؟!

وانتهينا في جلسة التحليل إلى أنه سخيف فعلاً، فرغم أنه لا يرغب في الأكل، إلا أنه طلب وجبته كمبدأ معروف عند الحمقى، وهو الحصول على كل الميزات التي دفعوا ثمنها، سواء كانوا بحاجة إليها أو لم يكونوا، وأقسم صديقي إن هذا المسافر من النوع الذي يبقى في سيارته 55 دقيقة شاغلاً الموقف الذي دفع ثمن الوقوف فيه لمدة ساعة مثلاً، ولو كانت مدة حاجته الفعلية للموقف خمس دقائق فقط، ولو كان هناك صف من السيارات التي ينتظر أصحابها خروجه من الموقف.

بعد ساعة تقريباً، وكان الأحمق مطأطئ الرأس وطعامه لا يزال كما هو، بدأت الهمهمات تتعالى في الطائرة مصحوبة بأصوات الصواني والأطباق، وبعد دقائق قدّمت لي المضيفة وجبتي، ولاحظت أن جاري يحاول مساعدة المضيفة في تمرير الصينية إليّ وإلى صديقي، وهذا الموقف جعلني أمنحه علامة قبول واحدة في مقابل 99 علامة رفض.

لكن صديقي حلل الموقف بسرعة وقال إنه يساعدنا لغرض في نفسه، فيبدو أنه ندم على طلب وجبة نباتية، وأنه سيبقى طوال الوقت ينظر إلينا ونحن نتلذذ بأكل اللحم والدجاج، على أمل أن نلقي إليه بشيء من العظم أو الجلد. لكن هذا لم يحصل، فما إن بدأنا في رفع أغطية الألمنيوم والنايلون الموضوعة على علب طعامنا، حتى فعل المسافر مثلنا، وبدأ في الأكل بالتزامن معنا، وهذا ما جعلني أتوقف عن الأكل.

كنت طوال هذه الرحلة، ومنذ أن كنت في المطار مع صديقي، أعيش لحظات من اللهو والخفة، لكن تصرّف هذا الرجل هزّني من الأعماق، واختنقت بعبرتي وأوشكت على الإجهاش في البكاء، وكنا لحسن الحظ نجلس في أول صف من المقاعد، وهناك مساحة كافية للحركة حتى بوجود صواني الطعام، فوضعت صينية طعامي على أرضية الطائرة، ووقفت وقلت لصديقي وأنا أتحرك إلى دورة المياه بأن بطني تؤلمني، وأنني لا أرغب في الأكل.

وما أن استدرت بعد دخول الحمام لإقفال بابه، حتى رحت أبكي بكاء اليتيم لحظة استدارته لمغادرة المقبرة بعد دفن أمه، فهذا الرجل الذي كنا نستخف به طوال الوقت، هو رجل من نوعية نادرة، أبى أن يأكل قبل الآخرين، وبقي هكذا ساعة كاملة إلى أن برد طعامه، رغم أنه لا يعرفنا، ورغم أننا لم نجامله بأي شيء.  

وأخذت أفكّر وأنا أبكي: ما دام هو يصبر عن الطعام في الطائرة، رغم أن الجميع سيأكل بعد حين، ولن يموت أحدٌ من الجوع في الجو، فليس من المستبعد من هكذا إنسان أن يؤثر الآخرين على نفسه في مواقف الجوع والحرمان، بل قد يبقى جائعاً ليشبع غيره.  

وكان نحيبي يرتفع من الحمام كلما تذكرت المواقف التي حصلت منذ دخوله الطائرة، فهو فضّل أن يبدو بمظهر الأغبياء يحمل حقيبة كبيرة على رأسه، من أن يحملها بيده وفي مستوى رؤوس الآخرين وأكتافهم، ليخبطهم بها كما يفعل الجميع. وتذكرت أنه ترك لي مسند الذراع الذي يفصل بيننا، وأنه كان طوال الوقت يميل بجسده نحو ممر الطائرة، ليتلقى الضربات بين الحين والآخر، ليفسح لي المجال للتحرك والجلوس جلسة الأمراء.    

وكنت كلما غسلت وجهي معتقداً أن شحنة الأحاسيس قد نفدت، هاجت مشاعري من جديد وبكيت كما لم أبكي من قبل، وبقيت هكذا فترة من الوقت لا أعرف كيف أقفل صنبور الدموع هذا.  

حين عدت إلى مكاني، وكانوا قد انتهوا من الأكل، ورُفعت الصواني، وعاد الجميع إلى النوم أو الاسترخاء، بما فيهم ذلك الرجل الذي كان ينام بسلام، كان صديقي ينتظر عودتي، وتعجب من احمرار عيني، فقلت له إنه بسبب الضغط البشري في الحمام، فقال قبل أن يخلد هو الآخر إلى النوم: صاحبك آكل الأعشاب سألني إن كنتَ ستعود إلى تناول طعامك حين أتت المضيفة لتجمع الصواني.


Share |
|
|
|
ر
21/4/2015 10:07 AM
رائعة..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01