search
إصدارات
ارتباطات
هل كان عامل النظافة يصلي؟
25/1/2014

كنا في الامتحانات نتبع قاعدة "اكتب أي شيء" إذا فوجئنا بأننا لا نعرف الإجابات، فتسليم ورقة الامتحان بيضاء ناصعة سيعني شيئاً واحداً فقط، هو الحصول على الصفر الفاقع، بينما كتابة أي شيء تفتح باب الاحتمالات، حتى لو كان السؤال عن أسباب الحملة الفرنسية على مصر، وكانت الإجابة عن أسباب هبوب الرياح الموسمية.

الأبواب التي تفتح أمام الطالب بمجرد كتابة "أي شيء" كثيرة، فهناك أولاً باب الصفر؛ ويكون في حالة اعتناء المصحح بالإجابة اعتناءه بوصية تورثه هو أملاك وعقارات وملايين من الدراهم.  

وهناك باب الرسوب مع الرأفة، فقد يخطر ببال المصحح أن التباساً وقع فيه الطالب بسبب رهبة الامتحان، فأخذ يجيب عن امتحان التاريخ ظناً منه أنه امتحان الجغرافيا، وربما يمنح الطالب بدافع الرأفة بضع درجات لا تضر لكنها تنفع حتماً.

وهناك باب النجاح على الحافة، وهذا يحدث في حال تقاعس المصحح ملقياً نظرة خاطفة على الورقة، ولأنه لن يجازف بسمعته بإعطاء الصفر لورقة لم يقرأها، فإنه سيعطي الطالب درجة النجاح الدنيا، و"اللي فيها فيها".  

وهناك باب العلامة الكاملة، في حال كان المصحح مهملاً بشدة، وفي الوقت نفسه لا يمكنه أن يضع الصفر عشوائياً ليضيع جهد وتعب الطالب المسكين الذي ربما أعطى إجابات نموذجية، فيكون الأسلم له ولضميره هو منح الطالب العلامة الكاملة.

وهناك احتمالية وقوع المصحح في لبس، فقد يفتح ورقة الإجابة "الأي شيئية" للطالب (أ)، وقبل أن يشرع في مراجعتها تقف زوجته على رأسه وتطلب منه الطلاق وهي تلوّح بساطور.

وفي أثناء التفاهم مع زوجته، يسحب بشكل لا إرادي ورقة إجابة تخص الطالب (ب)، ويلاحظ أن الإجابات صحيحة، ثم يتذكر في أثناء ذلك أنه لم يقرأ ورقة (أ) جيداً، فيضعها فوق ورقة (ب)، ويأخذ في قراءتها بلا تركيز.

وبعد التخلّص من زوجته بقتلها مثلاً، يمنح ورقة (أ) علامة النجاح ظناً منه أنها ورقة (ب)، وربما يضع الصفر على ورقة (ب)، وهنا يكون الطالب (أ) قد حصل على علامة النجاح رغم أنه كتب أي شيء، وفي الوقت نفسه حصل زميله (ب) الذي رفض أن يمد له يد العون في الامتحان، على الصفر.

وهناك احتمالية أن تقع ورقة الإجابة بيد مصحح لديه قناعات مجنونة، منها أن الامتحان ليس مقياساً لمعرفة مستوى الطالب، ومنها أنه لا يرغب في أن يتسبب بأي أذى لأي كائن حي، ومنها أن واضع الأسئلة لم يكن يقصد اختبار الطلبة بقدر إثبات ذكائه في وضع أسئلة ملتوية، ومنها أن إعطاء درجة النجاح لطالب راسب ليس نهاية العالم، ومنها أن المصحح نفسه كان يغش في الامتحانات وها هو اليوم يعمل معلماً كأن شيئاً لم يحدث.

لكن كل هذه القناعات الغبية لا يمكن للمصحح تفعيلها لو وجد الورقة بيضاء، بينما الورقة المليئة بـ "الأي شيء" ستسهل عليه إسقاط قناعاته عليها، كما أن الورقة المليئة ستفتح بدورها باب الاحتمالات لو وقعت بيد المراجع الذي يأتي بعد المصحح، فقد يعتقد بأن المصحح التبس عليه الأمر، أو كان منهكاً وفاقداً للتركيز.  

كنا نعرف ونحن صغار أن كل هذه الاحتمالات واردة بمجرد كتابة "أي شيء" في الامتحان، وهي القاعدة التي أخذنا نطبقها في حياتنا، وأصبح بعضنا يقول "أي شيء" حين يتورّط بشيء لا عذر فيه أبداً، لأن الصمت مثل ترك ورقة الإجابة بيضاء.

وكان لنا زميل يتأخر دائماً في الوصول إلى مقر العمل، وفي كل مرة كان عذره على طرف لسانه. وبعد فترة، وكان قد استنفد جميع الأعذار المنطقية والمقبولة والمعقولة، وجد نفسه بين خيارين، إما الصمت وهو ما يعني أنه تأخر بلا عذر وكان نائماً، أو قول "أي شيء" يفتح باب الاحتمالات أمامه، ويكون من بين هذه الاحتمالات قبول عذره والتجاوز عن مجازاته.

أحد هذه الأعذار كان ضياع عقاله واضطراره إلى البحث عنه ساعة كاملة حتى وجده أسفل السرير، إذ لا يمكن الحضور إلى العمل إلا بالزي الرسمي، والعقال جزء من هذا الزي، وما دام كان يبحث عنه، فهذا يعني أنه تأخر بعذر مقبول، وفعلاً، قبلت الإدارة هذا العذر.

ونشرت الصحف قبل فترة واقعة تتلخص في أن الفاعل لاحظ زميلته في العمل وقد استعدت للذهاب إلى دورة المياه المشتركة، فسبقها إلى هناك وخبأ هاتفه المتحرك في سقف الحمام بعد أن وضع كاميرا الهاتف في حالة تشغيل، لكن زميلته لاحظت وجود الهاتف بعد دخولها الحمام، فـ"لمّت الناس عليه".

ولأن الهاتف يخصه، ولأن الجهاز لا يمكن أن يطير، ولأن الصمت سيعني أنه ارتكب ذلك الفعل بقصد تصوير زميلته، فلجأ إلى قاعدة "أي شيء"، وقال إنه إنما وضع الهاتف هناك ليجف بعد أن تبلل بالماء.  

وفي قضية أخرى، دخل مسافر إلى محل في السوق الحرة بالمطار ودس زجاجة عطر في كيس كان يحمله، ثم خرج من دون أن يتجه ناحية "الكاشير" أو حتى ينظر إليه، وحين ألقي القبض عليه، قال وهو يخرج الدولارات التي بحوزته: انظروا.. أنا لا أملك عملة البلد.. فكيف أدفع قيمة العطر؟!

كان عذر المسافر مضحكاً، ولم تلتفت إليه المحكمة بطبيعة الحال، ومع هذا، فإنه بتمسكه بذلك العذر الغريب فتح باب الاحتمالات، خصوصاً أن واقعة السرقة كانت ثابتة بحقه، ولم يكن أمامه إلا الاعتراف، أو الصمت الذي يعني الاعتراف الضمني، أو قول "أي شيء". 

أما أغرب "أي شيء" في العالم، فكان من النوع الفعلي وليس القولي، والذي حصل أن سيدة كانت تنام في غرفتها في الفندق، ويبدو أن عامل النظافة لم يكن يعلم بوجودها، فدخل الغرفة بقصد التنظيف مستعملاً المفتاح الرئيسي، ولكنه بدلاً من أن يعود أدراجه بعد اكتشافه وجود السيدة في غرفتها نائمة، جثا على ركبتيه أمام سريرها محاولاً التلصص عليها، لكن السيدة انتبهت من نومها فجأة، فما كان منه إلا أن خرّ ساجداً، وأخذ يمثل أنه يصلي.      


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01