search
إصدارات
ارتباطات
لماذا يرتدي الطباخ القفاز في الحمام؟
28/12/2013

افتتح صديق لي مطعماً واستقدم طبّاخاً من إحدى الدول، وبعد فترة لاحظ أنه يجيد الطبخ لكنه لا يمارس عمله وفق الأصول المهنية، فقرر إخضاعه لدورة متقدمة في فن الطبخ في إحدى الفنادق الكبرى.

وبعد فترة دخل صديقي مطبخ المطعم ليتحقق من سير العمل، وفوجئ بالطباخ يخرج من دورة المياه وهو يضع القفاز الأصفر في يديه، فسأله عن ذلك، فقال مثل تلميذ يحكي لوالده ما تعلمه في المدرسة:

ــ أخبرونا في الدورة بضرورة ارتداء القفاز أثناء العمل.

ــ وهل ذكروا لكم لِم عليكم ارتداء القفاز؟

ــ كلا.

ــ وبرأيك.. لم طلبوا منكم ذلك؟

فقال بعفوية وبعد قليل من التفكير:

ــ كي لا تتسخ أيدينا أثناء إعداد الطعام.

ــ كلا يا سيد طبّاخ، هم طلبوا منكم ارتداء القفاز حتى لا تنقلوا الجراثيم من أيديكم إلى الأطعمة التي تعدونها للزبائن، بينما أنت ترتدي القفاز وتدخل به دورة المياه وتخرج وقد علقت به أمة من الجراثيم، ثم ترسل هذه الأمة إلى طبق الزبون المسكين، الذي يرسلها بدوره إلى داخل فمه، بينما يداك تبقيان في أمان وسلام.  

يقول صديقي إن الطبّاخ كان صادقاً في كلامه، وربما استنتج ذلك من المريلة التي يرتديها الطباخون لئلا تتسخ ثيابهم، وربما يعتقد أن القبعة التي يضعها على رأسه هي لحماية شعره من التقصّف وليس لمنع تساقط شعره في قدور الطعام، ثم قال صديقي الحكمة التي استفادها من  التجربة القفازية:

إذا لم يعرف الموظف أو العامل سبب القرار الذي يطلب منه الالتزام به، فقد يفسّره بطريقته ثم ينفّذه بالشكل الذي يتوافق مع تفسيره له، فتكون النتيجة عكس ما توخى صاحب القرار.

ويقول إنه بات يشرح كل شيء لعمال مطعمه، ولا يهم إن اقتنعوا أم ضحكوا في قرارة أنفهسم منه، والمهم هو أن يعرفوا سبب القرار، فإذا وجدتم زبوناً يطلب أكثر من المعقول، فاقترحوا عليه الاكتفاء بأقل من ذلك، لأنه بهذه الطريقة سيمنح ثقته بالمطعم، وتلك الثقة تصنع منه زبوناً دائماً، بدلاً من أن يطلب مرة واحدة، ثم يلعن المطعم إلى الأبد. وإذا قفز زبون في مكانه وهو يصرخ بأنه عثر على شعرة أو حشرة في طبقه، فلا تحاولوا تخطئته والجدال معه، بل اعتذروا فوراً وحاولوا لملمة الموضوع في هدوء، فخسارة زبون واحد أفضل من خسارة كل الزبائن الموجودين في المطعم في تلك اللحظة، خصوصاً أن هذا الزبون اللعين لن يعود إلى المطعم سواء كان محقاً في كلامه، أو اكتشف أنه كان مخطئاً بعد جدالكم معه، لأنه سيبدو في نظركم مجرد أحمق ومتسرّع.

ولا أعرف بالضبط عدد المرات التي أكّدنا فيها للخادمة بأن تكون سفرة الغداء مستطيلة، وفي كل مرة كنا نفاجأ بسفرة مربعة، وفي كل مرة كنا نذكّرها بأننا ذكّرناها في اليوم السابق، وبقينا هكذا دهراً، نذكر تذكيرنا لها، ثم نذكّرها بذكرنا عن تذكيرنا، إلى أن أخبرت زوجتي حكاية صديقي مع الطبّاخ، وقلت لها إننا نحب أن تكون السفرة مستطيلة لكي يستطيع الجميع الجلوس إليها ومشاهدة التلفزيون أثناء ذلك، بينما مع السفرة المربعة يضطر بعضنا للجلوس وقد أعطوا قفاهم للتلفزيون.. قولي لها ذلك وستنتهي المشكلة فوراً.

وصديق آخر اتصل بي في أحد الأيام وأخبرني بأنه بات يعمل في مجال السمسرة على الأراضي، ثم طلب مني أن اتصل بمكتبه وأستفسر من السكرتيرة عن ساعات العمل وعن ترتيب موعد مع المدير، الذي هو ولا أحد سواه.

كانت علامات الاستفهام تدور حول رأسي وأنا أفكر في الهدف من كل هذه الخزعبلات، وقبل أن أسأل قال صديقي إنه حديث العهد بالعمل في هذا المجال، وتمضي الأيام من دون اتصالات ترد إلى مكتبه أو عملاء يطرقون بابه، وتظل السكرتيرة طوال الوقت محدقة إما في شاشة الكمبيوتر أو في الفراغ، وهذا الملل وقلة العمل قد يضعفان همتها وتبدأ في تجربة ترك المكتب فور خروجه منه، أو الحضور المتأخر إليه.

ولأن الذي أعرفه أن هناك عقد عمل ينظّم العلاقة بينه وبين موظفيه، وهم ملزمون بالبقاء في المكتب طوال ساعات العمل المقررة، ومغادرتهم المكتب من دون إذنه، أو الحضور متأخرين، يستوجب الجزاء، والذي إن تكرر يمكن أن ينتهي بفصلهم من العمل، فقد واصلتْ علامات الاستفهام دورانها حول رأسي، فقال:

ما لم يقتنع الموظف بالقرار الذي عليه الالتزام به، فإن فأر التلاعب بالقرار سيبقى يعبث به.. على السكرتيرة أن تقتنع بأن مكوثها في المكتب طوال ساعات النهار وشطراً من المساء ليس ضرباً من ضروب التعسّف من قبل رب العمل، أو لأنه ينظر للأمر بأنه انتقام منها لأنها تقبض راتباً شهرياً منه، وإنما في أن العميل يثق في المكتب الذي يبقى مفتوحاً طوال ساعات العمل، ولعل أحدهم يتصل في أية لحظة، ويكون في اتصاله صفقة مربحة.

ثم قال لي صديقي، ولو سألتك الآن: ماذا كنت ستفعل لو بعثت لك رسالة نصية أطلب فيها منك الاتصال بمكتبي والسؤال عني، من دون أن أشرح لك حيثيات الموضوع، وأحاول إقناعك بإجراء الاتصال؟ فقلت له: بصراحة، كنت سأحذف الرسالة وأوجه لك شتيمة عن بُعد.

وفعلاً، اتصلتُ بالسكرتيرة ووجدتها شعلة من النشاط كما يقولون، فأجابت على استفساري بشأن ساعات العمل، ثم سألتني عن اسمي، وعن الجهة التي أمثلها، وطلبت مني باحترام مبالغ فيه رقم هاتفي، وأنهت الكلام متمنية أن أتقدم لخطبتها، أقصد أن أشرفهم بالحضور إلى المكتب مساء اليوم نفسه، وأن هذا من دواعي سرورها.

وقبل مساء ذلك اليوم، أخبرني صديقي بأن السكرتيرة قدمت إليه ورقة فيها تفاصيل المكالمة، وأنها كانت مستبشرة خيراً بالعميل الأول الذي سيشرّف المكتب بحضوره. وانتهت مهمتي عند هذا الحد، لكنه طلب مني أن أفعل كما فعلت بين الحين والآخر، حتى يفتحها الله عليه ويتصل به عملاء حقيقيون.  

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01