search
إصدارات
ارتباطات
كيف تذهب الموهبة إلى الجحيم؟
15/2/2014

تخيل أنه بعد أن نشرت لي مجلة مغمورة مقالي الأول، انفرد بي أخ لي وقال وهو يسدد إليّ نظرات الإعجاب: "لقد رفعت رؤوسنا عالياً يا أخي، لقد أصبحت كاتباً يشار إليك بالراية.. لكن مشكلة مقالك أنه أطول من حارس منتخب إيطاليا، فأنا لم أستطع الانتهاء منه طوال وقت المباراة"، فما كان مني إلا أن افتعلت ضحكة وقلت: "خلّك في الكورة"، ومضيت وأنا أهز رأسي تعجباً.

***

في المقهى وبين مجموعة من الأصدقاء، سألني أحدهم بابتهاج: "ما شاء الله، سمعت أنك تكتب؟"، فقلت بينما أعبث بأزرار هاتفي: سمعت؟َ!

ـ ابعث لنا برابط مقالاتك إن كانت موجودة على الإنترنت.

ـ ليس من مهام الكاتب الترويج لنفسه، وإنما هو يمارس الكتابة ليعكس موقفاً، فالإنسان موقف قبل كل شيء، ومن لا موقف له لا يستحق العيش ويجب أن يبادر إلى الانتحار.

ـ يا رجل! كل من يملك سيارة له موقف!

ـ لا تتعامل بخفّة مع موضوع ثقيل.

ـ "يا واد يا تقيل"!

فرفعت رأسي ونظرت إليه وقلت: حقاً قيل: "كلموا الناس على قدر عقولهم"، ثم تركت على الطاولة خمسة دراهم ومضيت وأنا ما أزال أعبث بهاتفي المتحرك.

***

بعد سنة، وكنت قد تعرفت بمجموعة من الكتّاب وتركت أصدقائي القدامى الذين تحولوا في نظري إلى حمقى، سألتُ كاتباً مخضرماً: ما رأيك بمقالاتي؟

ـ ممتازة لولا كثرة الأمثلة التي تسوقها لإثبات وجهة نظرك.

ـ بالعكس، كثرة الأمثلة تدعم وجهة النظر وتجعلها غير قابلة للنقاش.

ـ لكن اللبيب بالإشارة يفهم.

ـ وأين هم أصحاب اللب يا صديقي اللبيب؟!

ولمّا لم يعقب صاحبي، بادرته بالسؤال الثاني: وما رأيك بالأسلوب؟

ـ ممتازٌ لولا كثرة لجوئك إلى التلاعب بالكلمات.

ـ بالعكس، هذا يستفز عقل القارئ ليقرأ ما بين السطور، فأنا لا أتلاعب بالكلمات إلا لتمرير فكرة ما.

ـ لا مشكلة، لكن ليكن الأمر كالملح في الطعام، لا تزيد منه ولا تقحمه في النص.

فقلت وقد رفعت حاجبيّ تعجباً: يبدو أنك تقرأ كتاباتي بشكل سطحي.

***

في معرض الكتاب، التقيت بكاتب سبق أن أبدى إعجابه بما أكتب، وبعد تبادل المجاملات سألني: ألا تفكر في كتابة الدراما التلفزيونية؟

ـ لا أملك ترف الوقت الذي يملكه كتّاب الدراما، فأنت تعرف أن الكتابة للتلفزيون تستهلك الكثير من الوقت، ولو كنت عاطلاً عن العمل مثل كتّاب الدراما، لكتبت.

ـ لا أعتقد أن القضية تنحصر في الوقت، فالكتابة الدرامية تحتاج إلى حسّ تمثيلي لدى كاتبها.

فقلت وأنا أهمّ بالانصراف: من كتب مئات المقالات لن يعجز عن كتابة عمل تلفزيوني من ثلاثين حلقة.. بالمنطق!

***

وواضح أنني لا أقبل نقداً أو ملاحظة بشأن ما أكتب، سواء من أهل الصنعة أو من غيرهم، والذي سيحصل بعد فترة، تطول أو تقصر، أن الجميع سيتحاشى الحديث عن كتاباتي، وستكون النتيجة انحسار أفق التطور من أمامي، وبقاء عيوب كتاباتي على حالها، ثم توسع العيوب مع الأيام إلى أن تصبح هوة تبتلعني وتريح الناس من غروري، لكنني في اليوم التالي سأعلن: يبدو أن "الشللية" فعلت فعلتها، فقد اتصلت بي إدارة المجلة واعتذرت عن نشر مقالاتي.. لا أحد يقدّر أصحاب الأقلام المتميزة وحملة الفكر الحر.

وهذا كلام فارغ يردده غالباً من يتعثرون بسبب الغرور، فهيئة التحرير في المجلة ما صرفت النظر عني وعن كتاباتي سوى لأنها طويلة ومليئة بحشو من الأمثلة، كما أن التلاعب بالكلمات أصبح ماركة مسجلة باسمي لدرجة الملل، وربما التقى شقيقي على المدرجات برئيس تحرير جريدة أحلم أن أكتب بها، وتصادف أن الرجل يعشق الكرة ويشجع النادي الذي يشجعه أخي، ودار حديث بينهما، وقال له بعد أن أصبحا صديقين:

ـ "صفحات جريدتنا مفتوحة لقلم أخيك"، لكن أخي هز رأسه وقال في نفسه: أتمنى لك الخير يا أخي، لكنني أخشى أن أعرض عليك هذا الاقتراح فتضحك وتطلب مني الاهتمام بالكرة. 

وربما كان صديقي الذي حدثني عن الدراما عاكفاً على كتابة مسلسل تلفزيوني، وقد طلبوا منه في التلفزيون ترشيح كاتب لكتابة مسلسل آخر، فخطرتُ بباله، لكنه تذكر ردي العجيب في ذلك اليوم، وقال في نفسه: "خلّه يولي"، سأتصل بكاتب آخر لديه ترف الوقت.  

وقد لا يكون هذا المخلوق كاتباً، وإنما رسام، أو ممثل، أو مصوّر، أو ملحن، لكن نتيجة الغرور والإعجاب بالنفس واحدة في كل المواهب، الجميع سيقول: "خلّه يولّي"، أي ليذهب هو وموهبته إلى الجحيم.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01