search
إصدارات
ارتباطات
كاشف الأسرار والماسون الأعظم
8/3/2014

حضر صديق لنا مصطحباً قريباً له، ولأننا كأصدقاء علكنا حكاياتنا حتى لم يعد لها طعم، فقد تركنا المايكرفون لدى الضيف ليضخ حكايات جديدة تعيد الحيوية لجلستنا، ومن خلال بعض تعليقات الضيف "الماورائية" حول المقاهي، اكتشفنا أنه هبط من السماء ليعطينا إجابات شافية عن كل الأسئلة الغامضة في الحياة.

ورحت أرتّب في ذهني تلك الأسئلة حسب درجة الغموض، وبطبيعة الحال كان السؤال الأول هو: من الذي يجلس خلف الباب الأخير من أبواب الماسونية؟

فأنا أعتقد أن من يعرف المرجع الأخير للماسونية، يعرف إجابة أي سؤال آخر كتحصيل حاصل، لأن هذا السؤال هو سؤال الأسئلة، ومن يعرف الماسون الأعظم يعرف على وجه اليقين إن كانت الرواية الرسمية لأحداث 11 سبتمبر صحيحة أم كاذبة، ويعرف إن كانت كرة القدم مجرد رياضة أم هي لعبة ماسونية لإلهاء الشعوب، ويعرف إن كانت النزاعات بين الدول ما هي إلا مسرحية تقام أمام العالم بينما قادة الدول المتنازعة يتواصلون بشكل سري من خلال أنفاق تحت الأرض تؤدي إلى غرفة الماسون الأعظم، وهناك يتفقون على قواعد اللعبة ويتقاسمون الغنائم فيما بينهم ثم يشربون نخب استغفال البشر، أم هي نزاعات حقيقية يتمنى قادة كل بلد شرب دماء قادة البلد الآخر.

لكن أحد الأصدقاء هداه الله سبقني في طرح سؤاله الذي استغرقت إجابته وقت الجلسة بالكامل، فقد تساءل عن سر قدرة البشر على الوصول إلى المريخ في حين أنهم عاجزون أمام بضع خلايا عدائية تنمو في جسم الإنسان وتنقسم بلا حدود وتغزو أنسجته المسكينة وتدمرها وتنتقل من مكان إلى آخر مخلفة ورائها الأورام الخبيثة؟

ولأن الأشخاص الذين يعرفون كل الأسرار لا يبوحون بما عندهم إلا إذا سُئلوا، فقد بقي صاحبنا يستمع إلى التعليقات الغبية التي أطلقناها بلا حياء من العلم، ولا بصيرة من الفهم، ولا اطلاع على السرّ، ولا رؤية لما هو أبعد عن أنوفنا، حتى انتبهنا إلى وجوده؛ فأعطيناه المايكرفون من جديد، فقال بلا مقدمات: السرطان لا وجود له.

وفي التفاصيل قال إن شركات الأدوية والمستشفيات الكبرى، وهي كلها تعمل تحت مظلة الماسونية، تصرف المليارات من الدولارات سنوياً لشراء ذمم الأطباء الذين "يعالجون" مرض السرطان، ليزعموا للمرضى بأنهم مصابون بهذا "المرض الخبيث"، ومن ثم يشفطوا ما في جيوبهم على أدوية مكذوبة، وعمليات وهمية.

وما إن أماط كاشف الأسرار اللثام عن وجه السرطان ورأيناه على حقيقته، حتى أخذت أصوات "كركة" الشيشة ترتفع، ولهيب ولاعات السجائر تومض، والدخان ينتشر فوق رؤوسنا مثل سحابة نووية، فالمدخنون يحاولون الوقاية من الأمراض التي يسببها التدخين من خلال إطالة المدة بين السيجارة والأخرى، أو بالتلهّي عن أنبوب الشيشة بأي شيء آخر، وما دام ثبت أن السرطان لا وجود له، فما الحاجة لهدر الوقت من دون تدخين؟!

وكنت على وشك أن أسأل كاشف الأسرار عن حقيقة الكحّة التي ترافق المدخن طوال حياته، وتسبب له وللأشخاص من حوله الكثير من الإزعاج، فربما يقول إن الكحّة غير موجودة أيضاً، وهكذا تنتهي كل مشكلات التدخين.

لكن للأسف لم تجد الحقيقة التي أعلنها كاشف الأسرار قبولاً لدى بعض الجهلاء، فقال بعضهم إنهم رأوا بأعينهم أحباباً لهم يتعذبون من الألم بسبب مرض السرطان، فتبسّم كاشف الأسرار ابتسامة حكماء وقال: لا تفكروا بعيونكم!

وفي التفاصيل قال إن التفكير بالعيون يؤدي إلى نتائج مضحكة، فمثلاً نحن رأينا بعيوننا التي في رؤوسنا الطائرات تصطدم بالأبراج في 11 سبتمبر، ثم رأينا أدلة كثيرة تؤكد أن مجموعة من العرب هم الذين خططوا للعملية ونفذوها، فهل هذا يعني أنهم هم الذين قاموا بذلك فعلياً؟! بالطبع كلا. لذلك، أنصحكم بألا تفكروا بعيونكم.

وفعلاً، أغمضت عيني وبدأت أفكر في كلامه ووجدته صحيحاً، ولم أفتح عيني إلا حين سأل: هل تعرفون لم أنتم تفكرون بعيونكم؟ السبب هو أنكم تعيشون وسط دوّامة من الملهّيات، وأنتم تلاحظون في هذا المقهى أن الغالبية الساحقة من روّاده شاخصون بأبصارهم نحو الشاشات العملاقة يشاهدون 20 شخصاً يجرون مثل المجانين خلف كرة مستديرة، ولا يمكن لهؤلاء أن يفكّروا في أي شيء خارج هذا المستطيل الأخضر، وبعد انتهاء المباراة سيسلم كل واحد منهم عقله لهاتفه المتحرك، وهكذا طوال اليوم وفي كل الأيام، وهذا هو سر قوة الماسونية وقدرتها على التغطية على أدوارها الشريرة، فهي صرفت الأنظار عنها بهذه الألاعيب، ولعلّكم لن تصدقوا إن قلت لكم إنه حتى الحروب والنزاعات بين الدول هي مجرد حلقة في سلسلة الإلهاء.

وعند هذا الحد كان لا بد أن أطرح سؤالي بشأن الأنفاق الموجودة تحت الأرض والتي تؤدي إلى غرفة الماسون الأعظم، حيث يلتقي هناك قادة الدول "المتنازعة"، فضحك كاشف الأسرار وقال إنني غارق في نظرية المؤامرة، فلا توجد أنفاق لكن هناك تواصل بين هؤلاء تحت إشراف الماسون الأعظم، وهو الذي يحدد الأدوار ويضع التفاصيل، وهو بنفسه الذي يضع رزم الدولارات في الحقائب التي توزع على المتنازعين أمامكم والمتعانقين من خلفكم.  

ويبدو أن أحد حمقى الجلسة اعتقد أنه وضع يده على عيب قاتل في هذه الحقائق، فقال إن بعض رؤساء الدول المتنازعة، الذين هم كما تقولون يخضعون للماسون الأعظم، ماتوا بمرض السرطان، وكنتم تقولون إن السرطان مرض غير موجود، فكيف ماتوا بمرض وهمي من صنع الماسونية نفسها؟

وكان كاشف الأسرار على وشك أن يسقط من عيني، فكلامه فعلاً متناقض، لكنه بضربة معلم أخرس ذلك الأحمق بقوله: لقدى انتهى دورهم يا صديقي.

وقال إن أي لاعب ينتهي دوره، عليه أن يتنحى فوراً، ولأن الماسونية تريد أن تستفيد من كل شيء، فهي تتخلص من هؤلاء اللاعبين، وتعلن أنهم ماتوا بالسرطان، ليصدّق السذج وجود هذا المرض، بدليل أنه يقضي حتى على حياة الشخصيات المهمة.

أخذت أضواء المقهى تُطفئ بشكل تدريجي، وراح النادلون يتحركون في كل الاتجاهات فيما يسمى برعشة ما قبل انتهاء ساعات العمل بقليل، وشعور الاسترخاء الذهني كان يسود الجلسة بعد أن عرفنا كل شيء، لدرجة أنني كنت أشاهد حرف الخاء مكرراً يسبح فوق رؤوس الجميع، لكنني في اللحظة الأخيرة تذكرت أن كاشف الأسرار لم يكشف عن اسم الماسون الأعظم، ويبدو أنه قرأ ذلك التساؤل على وجهي، فقال فجأة: ليس مهماً من يكون الماسون الأعظم. 

وفي الطريق إلى باب الخروج، وكان بقية الأصدقاء قد تقدمونا في المسير، أخذ بيدي وطلب مني إيصاله إلى منزله ثم قال: قد لا تصدق، لكنها الحقيقة، لا أحد خلف الباب الأخير، ولا أحد من الماسونية نفسها يعرف هذه الحقيقة، فهم يتصوّرون وجوده، وعلى ضوء هذا التصوّر يتوقعون خططه وقراراته ومؤامراته، وينفذونها.

وقد لا تصدق أيضاً أنهم يتصوّرون أنهم موجودون، كما قد تتصوّر أنت أنك موجود، بينما الحقيقة أن هذا العالم مجرد فيلم طويل يشاهده كائنات أخرى تعيش في مكان لا أحد يعرفه، وما نحن، بما فيهم أنا، سوى ممثلين نقوم بالدور الذي حدده لنا سيناريو ذلك الفيلم.

وكان كاشف الأسرار ما يزال يتكلم حين فتحت له باب سيارتي، وبعد أن انطلقت بالسيارة بقليل سمعت صوت ارتطام شديد، فتوقفت ورحت التفت يميناً وشمالاً أبحث عن مصدر الصوت، فإذ ببعض الأشخاص يقتربون مني في المواقف ويقولون لي إن الباب الأيمن لسيارتي كان مفتوحاً على الآخر حين تحركتُ بالسيارة، وأن الباب ارتطم بعمود خرسانة، فالتفت يميناً فلم أجد كاشف الأسرار ولا باب سيارتي.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01