search
إصدارات
ارتباطات
شياطين الموارد البشرية
1/2/2014

لو سألتم أي موظف يمشي على الأرض: من هو عدوك اللدود في العمل؟ فسيقول فوراً: "الشياطين التي تعمل في الموارد البشرية".

ولو حازت هذه الإدارة على رضاه، فإن هذا الرضا لا يكون إلا بعد ترقية أو علاوة، وإلا "الأصل بقاء ما كان؛ على ما كان"، إذ ما تلبث حالة الرضا بالتلاشي بعد مرور سنة على مكوثه في الدرجة الوظيفية، واعتياده الحصول على العلاوة.. لكن ما الذي يجعل الموظفين يكنون العداء للعاملين في الموارد البشرية؟

الجواب هو أن الموظف يرى في عيون العاملين في الموارد البشرية نظرات المنّ عليه بالوظيفة، ويتذكر أنهم أسمعوه ما لا يسرّه وطرحوا عليه الأسئلة الغبية والمهينة في أثناء المقابلة الشخصية، فأخطأ وتلعثم واحمرت أذناه، ويتذكر أنه كان يتصل مراراً وتكراراً يسأل عن نتيجة المقابلة كأنه شحاذ.  

وإذا كان الموظف يعمل في إدارة تتعامل مع الجمهور، ومديره لا يكف عن تذكيره بأن واجبه الذي يتقاضى عليه الأجر هو خدمة العملاء والسهر على مصالحهم، ويطلب منه أن يتحمل في سبيل ذلك نظرات المراجع التي تقول: "أنت هنا لخدمتي"، فإنه في المقابل يحمل هذه النظرة معه حين يدخل الموارد البشرية ويهتف بينه وبين نفسه وهو يرى الجميع مشغولاً عنه: "أنتم! لم لا تتركون النقر على كمبيوتراتكم اللعينة وتكفون عن أحاديثكم الغبية لتروا ما هي حاجتي؟ أنتم هنا لخدمتنا نحن الذين نخدم العملاء الخارجيين، ولولانا لما كان هناك شيء اسمه موارد بشرية، ولمتم جوعاً يا ..".

لكنه بعد زيارة أو زيارتين، وهتاف واثنين، سيدرك أنه محتاج إلى بناء علاقات جيدة حتى بأصغر موظف في الموارد البشرية، فراتبه، وإجازته، وترقيته، وعلاوته، ونقله، وحتى إنهاء إجراءات استقالته وتسليمه حقوقه، كل هذا يرتبط بالأشخاص الموجودين في هذا المكان، بل إنه قد يتجاهل المدير العام ولا يبادر إلى إلقاء التحية عليه، لكنه مضطر إلى مجاملة الفرّاش الذي يصب الشاي في الموارد البشرية.  

ولأن جماعة الموارد البشرية يعتادون معاملتهم كالملوك، فإنهم بدورهم يعتقدون أن هذه المعاملة هي من طبيعة الأشياء، فإذا حصل أن تلقوا معاملة الند بالند، فإنهم يتصورون أن في الأمر إهانة وسوء أدب، ومن الطبيعي أن يعاملوا الموظف بالمثل.

ويتذكّر الموظف أن بياناته الشخصية والعائلية موجودة لدى الموارد البشرية، فلو كان يزعم أمام زملائه أنه حاصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج، فإنهم يعرفون جيداً أنه خريج الثانوية الصناعية. ولو كان يغري زميلة له بالزواج بها بحجة برودة علاقته بزوجته، لأنها ابنة عمه وأهله أجبروه على الزواج بها، فإنهم في الموارد البشرية يعرفون أن زوجته ليست ابنة عمه ولا هم يحزنون. 

ويعتقد الموظف أن هذه الإدارة أجحفت بحقه، فهو يستحق أجراً أكثر، ودرجة وظيفة أكبر، ومكتباً أوسع، وكرسياً مريحاً، وكمبيوتراً جديداً، إضافة إلى أجهزة فاكس وطابعة وماسحة ضوئية، وأن درجته الوظيفة تؤهله للحصول على موقف خاص لسيارته.

ويتذكر الموظف أولاده حين تعلقوا به وهو في طريقه إلى العمل وسألوه عن رحلة السفر التي كان قد وعدهم بها، إلا أنه ألغى الفكرة لأنهم في الموارد البشرية رفضوا الموافقة على الإجازة التي طلبها.

ويتذكر أحد أولاده الذي كان يكفكف دموعه في المدرسة الخاصة، بعد أن وبّخه محاسب المدرسة أمام زملائه وطلب منه ألا يحضر إلى المدرسة ما لم يدفع والده الأقساط المدرسية، وكان هو قد أرسل خطاب الدفع إلى الموارد البشرية، لكن الموظف المسوؤل في الموارد البشرية تسلّم الخطاب بعناية وألقاه في سلة المهملات بعناية أيضاً.   

ويحمل الموظف ضمن ما يحمل من مشاعر سلبية تجاه الموارد البشرية، أنهم أرسلوا له إنذاراً سخيفاً بسبب التأخر في الحضور، وأنهم خصموا راتبه في سنة من السنوات بسبب الغياب، وأنه تلقى من هؤلاء إنذاراً بالفصل النهائي من العمل في إحدى المرات، وشعر من ذلك اليوم بأنهم يشحذون سكاكينهم لقطع رقبته بقطع رزقه.

ويتذكر أنهم سخروا منه حين برر غيابه في أحد الأيام بتسرب مياه الأمطار إلى صندوق الكهرباء في بيته، ويتذكر أنهم سألوه عن أعراض المرض الذي ألم به حين أبرز لهم في أحد الأيام إجازة مرضية.

ويتذكر الموظف أنه لو أخطأ فإنه سيعرض على لجنة تأديبية، وفي الغالب سيرى في اللجنة الوجوه التي سيراها بعد قليل، وسيشعر بأثر مستقبلي بالمهانة وهو يتلقى الأسئلة الاستفزازية منهم، أو يرى على وجوههم علامات عدم الاقتناع بالمبررات التي يسوقها.

وبينما يحق لأي عميل أهمل معاملته أو تأخر في خدمته تقديم شكوى ضده ، ويعرف الموظف أن المؤسسة كلها تقف في صف العميل، فإنه في المقابل يشعر بأنه لا فائدة من تقديم شكوى ضد الموارد البشرية إن أهملوا معاملته، إذ المؤسسة لن تهتم بشكواه باعتبارها شكوى داخلية، وهو لن يستطيع "الشوشرة" على سمعة المكان الذي يعمل به. 

ويشعر الموظف بأن هؤلاء القوم هم الذين وقفوا في طريقه حين قرر الالتحاق بجامعة مسائية، وهم الذين تسببوا في إنهاء حلمه بالحصول على الماجستير بعد أن رفضوا إعطاءه تفريغاً من العمل لمدة سنة واحدة فقط، وهم الذين رفضوا منحه إجازة مرافق ليصطحب والدته المريضة للعلاج في الخارج إلى أن ماتت.

ولأن الإنسان دائم البحث عن شماعة يعلق عليها فشله، فإن إدارة الموارد البشرية هي أكبر شماعة في العالم للموظفين الفاشلين، ويتسبب هؤلاء في حديثهم السلبي عن الموارد البشرية للتغطية على فشلهم، إلى نقل عدوى الكراهية حتى للموظفين الذين لم يجدوا إلا المعاملة الحسنة في الموارد البشرية، ولم يشعروا يوماً بأي تقصير منها.

ولأن جميع الموظفين يتعاملون مع الموارد البشرية ويحتكون بموظفيها، بينما موظف المشتريات قد لا يلتقي أبداً بموظف الأرشيف، وموظف المالية قد لا يدري بوجود إدارة لخدمة العملاء، فإن هذا الوضع يجعل الموارد البشرية حديث المؤسسة، والناس حين تتحدث تركّز على السلبيات، ومن تكثر حوله الأحاديث السلبية من الطبيعي أن يصبح شيطاناً في نظر الجميع.

وليس مهماً في كل هذا إن كان الموظف محقاً في تصوراته وأحكامه، أو كانت مشاعره تجاه الموارد البشرية وأفكاره عنها قائمة على أسباب حقيقية ومنطقية، فالمهم أنه يتصور الأمور ويحكم عليها ويشعر ويفكر بها بتلك الطريقة، فلو كان كل الناس ينظرون للأمور على حقيقتها وبشكل منطقي، لما كان هذا حال العالم.

ولا يهم أيضاً إن كان مديره المباشر هو الذي تسبب في كل ما يعتبره ظلماً ومعاناة، بل لا يهم إن كان هو في قرارة نفسه يعتقد بأنه يستحق ما يحدث له ويقع عليه، إذ الجهة التي تنفذ وتطبق كل ذلك، هي الموارد البشرية. 

فحين يرتكب أحدهم جريمة قتل ويُحكم عليه بالموت، فإنه يشعر بالحقد تجاه كتيبة الإعدام، رغم أنه ارتكب جريمة بشعة، ورغم أن الشرطة هي التي ألقت القبض عليه، ورغم أن النيابة العامة هي التي جمعت الأدلة التي تدينه، ورغم أن قضاة المحكمة هم الذين أصدروا حكماً برميه بالرصاص، ومع هذا، فهو يحقد على هؤلاء المنفذين المساكين، وكذلك تكون مشاعر أهله الذين يحضرون في الميدان، لأنهم في نظرهم هم الذين أردوا ابنهم قتيلاً، وربما بسبب هذا يغطي أفراد كتيبة الإعدام وجوههم لئلا يتعرف عليهم أهل المحكوم عليه.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01