search
إصدارات
ارتباطات
حشيش وتفتيش ورداء أسود
22/3/2014

أوقف سيارته إلى جانب سيارتي ولوّح بيده، فقلت له إنني لست مجنوناً لأسافر براً مع شخص يضيع الطريق إلى منزله. وما أن استقر بسيارتي، حتى طلبت منه أن يأتي بالكيس الموضوع على المقعد الخلفي وأن ينظر فيه، ففتحه وهتف ضاحكاً: مبروك! الآن نستطيع ارتكاب الجرائم بلا خوف.

لم نشعر بطول الطريق من دبي إلى عُمان، فقد كان يسأل في القوانين وأنا أجيب بما أعرف ولا أعرف، وكان إذا حكرني في زاوية من الأسئلة، أشرت إلى الكيس وقلت له: اليوم أحضرت رداء المحاماة من محل الخياطة، ولم أرتديه بعد.  

كان اهتمام صديقي بالقوانين نابعاً من تجربة صعبة مرّ بها في أول شبابه، فقد كان بصحبة بعض الأغبياء حين ارتكبوا جريمة ولم يخطر بباله أن يبتعد عنهم في تلك اللحظة، ولم يشأ القاضي أن يبعده عن أصحابه، وأرسله معهم إلى السجن.

ورغم أن تلك المشكلة لم تكن تتعلق بالمواد المخدرة، إلا أن صديقي عرف الكثير عنها من أصدقائه الجدد، وكان يبدي التعاطف مع "المحششين"، لدرجة أنني سألته في نهاية المطاف: هل الأخ يتعاطى المخدرات مثلاً؟!

وما أن نقر موظف الجوازات على لوحة مفاتيح كمبيوتره في المنفذ الحدودي حتى قال لي: رفيقك مطلوب.. صف سيارتك وتفضلا بالدخول.  

كنا ما نزال نضحك، وكنت شخصياً متفائلاً بمهنة المحاماة، فها هي قضية تقع بين يدي من حيث لم أتوقع، لكنني أخذت أتكلم مع ضابط الحدود بأسلوب شخص عادي حين تأكد لي أنني سأعود إلى دبي بمفردي.

أخذوا رفيقي وهو يسدد لي نظرات محكوم عليه بالسجن إلى محاميه الذي فشل في إثبات براءته، وسبقتهم إلى مركز الشرطة وصوت صديقي يتردد في أذني: لا بد أن هناك لبساً في الموضوع.

وحين أحضروه، فوجئت بأنه مطلوب في قضية مخدرات، فالتفتُ إليه موبّخاً: ولم تمثل الآن دور المتفاجئ؟! كن صادقاً معي على الأقل، فجميع البيانات متطابقة مع الشخص المطلوب: اسمك الرباعي، واسم عائلتك الكريمة، وتاريخ ومحل ميلادك، واسم والدتك التي يعلم الله ماذا سيحل بها حين تعرف أن ابنها المحترم الذي بلغ من العمر عتيّاً، يتعاطى المخدرات.

بقي صديقي ينكر كل شيء بثقة وبعبارات لا تخلو من النكتة، ولأنني أعرف آلية الإنكار التي يتمسك بها عتاة المجرمين، فلم أبالِ بإنكاره وقلت له إنه لو كان مطلوباً في قضية متاجرة بالمخدرات، فكان يمكن أن نقول إن شخصاً يحقد عليه زجّ باسمه فيها، لكن الجماعة يقولون إن العينة السائلة المأخوذة منه تحوي مواد مخدرة، لكنه كان يقول إنه طوال حياته لم يعطِ أي عينة لأي جهة.

وبدأت أشك فيه فعلياً حين أخذ يسأل متحدياً عن سبب عدم زجّه في السجن ما دامت العينة إيجابية، فرجوته ألا يتذاكى عليّ، فحين يلقى القبض على مشتبه بتعاطيه المخدر، فإنهم يطلقون سراحه بعد أخذ العينة، ويستدعونه بعد ظهور نتيجة الفحص الذي يستغرق أياماً.

ودّعته أمام بوابة التوقيف ورجوت الشرطي الرفق به، وقلت إنه إنسان طيب لكنه أحمق، واتصلت بشقيق له، وما إن عرف بالأمر حتى أخذ يقول: ليأخذه الله ونرتاح منه.. يتعاطى؟! ألم يجد شيئاً أفضل يفعله في هذه الحياة؟! بلى، إنه يعزف العود هذه الأيام، تخيّل! هل رأيت شعره الطويل؟! هل تصدق أنني كنت متأكداً بأنه يتعاطى المخدرات؟! هل لاحظت كيف يشفط السجائر التي لا يتوقف عن تدخينها؟! إنه يشفطها بطريقة تغور فيها خديه إلى داخل وجهه القذر.

وكنت إلى ما قبل كلام شقيقه عنه أحتفظ له بنسبة 50% من البراءة، لكن ليس بعد الآن، فهناك عينة، وهناك تعاطف مع أهل الحشيش، وهناك ابتهاج بصديقه الذي أصبح محامياً ويعتقد أنه سيوفر له مظلة قانونية يجلس تحتها ويحشش، وها هو يعزف العود، ولا تحلو جلسات الطرب إلا بمواقد الحشيش، كما أن شعره الطويل قرينة على حياته الفوضوية، إضافة إلى ضعف التركيز، وتدخين السجائر بطريقة غرامية، وتذكرت أنه كان طوال طريق يضحك لأتفه الأسباب، وكان مسطولاً حتى في لحظات اكتشاف أمره، وهذا النوع من الضحك الأبله علامة مميزة لمن يتعاطون الحشيش.

وفي الصباح، أخذت أعيد تسلسل أحداث ليلة القبض على صديقي الذي لم أعد أحترمه، وتذكرت سيارتي، فشعرت بهول الموقف بأثر رجعي، فربما دسّ شيئاً فيها، وهذه آخر جريمة أتخيّل أن توجّه إليّ في يوم من الأيام: حيازة مواد مخدرة، وعقوبتها النزول في الفندق المركزي سبع سنوات.

رحت أفتش في سيارتي متوقعاً العثور على المواد المخدرة، ثم أخذت أغراضه اللعينة التي تركها في درج سيارتي ووضعتها في كيس بعد أن فتشتها جيداً، وحين أخذت أنفض رداء المحاماة الذي بقي في سيارتي طوال الوقت، كنت أتوقع أن تسقط منه لفافة حشيش، وكان احتقاري له يزداد كلما تخيلت أنني كنت على وشك أن أتورّط معه، ثم أجد خبراً في الجريدة: "في حادثة غريبة: أول قضية يترافع فيها أحد المحامين يكون هو المتهم فيها". ومثل هذه الأخبار غالباً ما تتناقلها وسائل الإعلام العالمية في باب الطرائف. 

في الطريق إلى محطة الغسيل لمحو أي أثر للمخدرات من سيارتي، جاءني اتصال من شقيقه، فقلت في نفسي: ماذا تريدون مني يا مجرمين؟! وفوجئت بأن المسطول على الخط، وسأل عن محفظته وهاتفه ومفتاح سيارته، فارتبكت أكثر وسألته: هل الشرطة تستمع إلى هذه المكالمة؟ هل تقوم باستدراجي تحت إشرافهم؟ فضحك وقال إنه في طريقه إلى البيت.

وعرفت منه أن الشرطة كانت قد ألقت القبض على مشتبه به، وبسؤاله عن هويته ذكر اسمه الثلاثي، وهو يشبه اسم صديقي، ويبدو أن الموظف وجد بيانات صديقي التي بقيت في النظام الإلكتروني بسبب مشكلته القديمة، ويبدو أيضاً أن ذلك المحشش الحقيقي كان لعيناً لدرجة أنه أقرّ للموظف بأنه هو نفسه صاحب تلك البيانات، ثم أخذوا العينة منه وأطلقوا سراحه.

وحين ظهرت النتيجة، امتنع عن تسليم نفسه، فأصدروا تعميماً بالقبض عليه، أو بالأحرى بالقبض على صديقي المسكين. لكن لحسن الحظ أنهم يأخذون بصمات أصابع الشخص الذي يعطي العينة، وبمطابقة تلك البصمات على بصمات صديقي، تبين لهم أنهم بريء من تعاطي الحشيش براءة الأسد من قضم الحشائش. 

عاد إليّ صديقي لكن بعد أن تعلمت درساً مهماً، وهو أنه من الممكن جداً أن يفتش الجميع عن الحقيقة في الشرق، بينما هي في الغرب تماماً.


Share |
|
|
|
Bu Hanoon
12/6/2014 2:03 PM
Mabrook Brother, & I Wish you all the best, Bye the way, Stay more here, This is your own house, Not rented from twitter, Thanks
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01