search
إصدارات
ارتباطات
المدعو نحس بن حظ المسحور
11/1/2014

أفاق "نحس بن حظ المسحور" من نومه فجأة والتقط هاتفه المتحرك الموضوع إلى جانب سريره، ثم قال بينه وبين نفسه وهو يلقي الهاتف بلا اهتمام على السرير: "كل شيء يعمل ضدي"، فقد كان مقرراً أن يجري مقابلة الوظيفة، لكن الموعد بعد أقل من ساعة وهو لا يزال على الفراش. 

تذكر "نحس" في تلك اللحظة صديقاً له يفضفض أمامه عن سوء الحظ الذي يسير معه كظله، وعن اعتقاده بأن سحراً عُمل له ليفرق بينه وبين النجاح، بينما صديقه يرفض في كل مرة منطقه هذا، وينصحه بأن يتفائل خيراً ويسعى لترتيب أوضاعه والجري خلف أهدافه في الحياة، وأن يترك الباقي على الله، بدلاً من الجلوس ومراقبة طائر التعاسة وهو يحلق فوق رأسه. ورغم أن "نحس" شعر بالحقد تجاه صديقه الذي لا يحس بمعاناته، فقد قرر في هذه المرة أن يجرّب وصفته.

وتعجب "نحس" من نفسه حين أحس بأن تياراً من الحيوية يدفع قاربه العالق بين صخور الحظ العاثر، إذ وقف على السرير وتخيل نفسه يقف على ضفة بحر وعلى الضفة الأخرى منه أهدافه تنتظره، وشعر بأن تفاؤله كبير لدرجة أنه يستطيع المشي على الماء والوصول إلى الضفة الأخرى، وقفز من سريره متجهاً إلى الحمام، ووقف إلى جانب رشاش الماء بانتظار تدفق الماء الساخن عبر الأنابيب، لكن طال انتظاره إلى أن تذكر أن زوجته أخبرته في اليوم السابق بأن السخّان بات لا يسخّن الماء.  

فرش "نحس" أسنانه سريعاً وغسل وجهه وارتدى ثيابه وهو يفكر في الطريق الذي يعرف أنه يظل مزدحماً في أغلب الأوقات، لكنه مع هذا شعر بالتفاؤل حين صعد سيارته واكتشف أن أمامه أكثر من نصف ساعة يمكن أن يصل بها إلى مكان المقابلة. 

في أثناء انتظار دوره لتزويد سيارته بالوقود، جرّب منبّه الهاتف فوجده يرن بشكل طبيعي، فزفر بضيق ولاحظ العلامة البرتقالية لنفاد الوقود وقد أضيأت باللون البرتقالي، وتعكّر مزاجه حين لاحظ تباطؤ السيارة التي أمامه رغم أنها تزودت بالوقود، فاستعمل البوق بشدة وانطلقت على إثر ذلك تلك السيارة، وتقدم هو قليلاً لكنه فوجئ بالعامل يلوّح بيديه ويقول له إن الوقود نفد من خزّان المحطة وأن صهريج الوقود لن يصل إلا بعد ساعة.

تذكّر محطة أخرى في مكان قريب، فتحرك بالسيارة لكن محركها انطفئ فجأة. وقبل أن يتبخر أمله بالوصول لمكان المقابلة، انتبه لوقوف سيارة أجرة بالقرب منه، لكنه أبعد من رأسه فكرة استعمالها، فأي انطباع سيكوّنه عنه مديره في العمل الجديد وهو يراه يأتي إلى موعد المقابلة بسيارة أجرة، خصوصاً أن مكتب المدير يطل على الشارع الرئيسي حيث سيترجل هو من سيارة الأجرة؟!

وأخذ "نحس" يعد الدقائق الستين، وحين لمح من المرآة الداخلية لسيارته دخول صهريج البترول إلى المحطة، ترجّل منها وطلب من بعض العمال دفع سيارته وإيقافها مكان التزوّد بالوقود.

وما إن انطلق بسيارته وقد اتخذ قراره بالعودة إلى السرير، جاءه اتصال من صديقه الذي سأله عن نتيجة المقابلة، فأخبره ما حصل معه، لكن صديقه أصر عليه أن يذهب إلى المقابلة، فقد يأتي بنتيجة ما، وهو في أسوأ الأحوال أفضل من العودة إلى النوم، لكن "نحس" ارتفع صوته وهو يقول لصديقه: كل شيء يعمل ضدي.. ولا فائدة.. مع السلامة.

وبعد أن أنهى "نحس" المكالمة، قال بينه وبين نفسه وهو يحك رقبته إنه لو كان قد استحم قبل الخروج، لربما فكّر في المضي إلى المقابلة ولو متأخراً، لكن أن يذهب متأخراً، وهو يشعر بالحكة في جميع أنحاء جسمه، فهذا هو المستحيل، وأنه لو لم يكن سيء الحظ، وربما مسحوراً، لحصل على حمام ساخن على أقل تقدير.   

والآن سأدخل هذه الحكاية في معمل التحليل موضحاً خلفية كل الأحداث الغريبة التي تعرض لها بطل الحكاية والتي انتهت بعودته إلى السرير، وهي الخلفية المحجوبة عن عيني البطل بستائر من النحس والحظ العاثر والسحر.

كان "نحس" قد اعتاد بسبب ثقل نومه أن توقظه زوجته حين يرن منبّه هاتفه، ولأنه قبل أيام كان قد أعدّ ساعة التنبيه لتوقظه في وقت مبكر ليذهب إلى كراج لتصليح السيارات، فإنه ثار في وجهها حين حاولت إيقاظه في ذلك اليوم، لذلك، هي تركته نائماً اليوم حين رن المنبّه وخرجت من البيت لتوصيل الأولاد إلى مدارسهم واللحاق بعملها، ولم يكن في الأمر عُطلٌ في الساعة، ولا سوء حظ، ولا سحر، وإنما سوء أخلاقه التي جعلت زوجته تخشى إيقاظه، خصوصاً أنه لم يخبرها بأن لديه مقابلة في هذا اليوم.

ولم يحصل "نحس" على الحمام الساخن الذي لا يخرج من البيت قبل الحصول عليه، وكان شعوره بالحكة الناجمة عن ذلك سبباً لعدم مضيه لمكان المقابلة، وقد تسبب بنفسه في كل هذا، لأنه لم يبادر إلى إصلاح السخّان في اليوم الفائت.

وكان من حسن حظ "نحس" أن الشوارع في ذلك اليوم كانت شبه خالية على غير المعتاد، لكن حظه الحسن هذا تصادم مع حظ سيء تمثل في نفاد الوقود من المحطة، ومع هذا، ففي الليلة السابقة وفي أثناء عودته إلى البيت، مر من أمام المحطة نفسها وآثر ترك مسألة التزود بالوقود لليوم التالي لأن هناك مباراة ستبدأ بعد قليل ويريد متابعتها في البيت منذ لحظة انطلاق صافرة البداية.  

ووجد "نحس" سيارة أجرة تقف إلى جانبه في المحطة، وكان يستطيع الذهاب بها إلى مكان المقابلة، لكن قناعاته الخاطئة بأن نزوله من سيارة أجرة أمام الجهة التي قد يعمل بها، قد يؤثر في قرار مديرها، جعلته هذه القناعة الغبية يرفض فكرة استعمال سيارة الأجرة. وفي خلفية القصة، ذلك المدير من النوع العصامي، هو يحترم الأشخاص الذي يبدؤون من الصفر، ولو كان قد رأى "نحس" يترجل من سيارة أجرة، لاعتبر ذلك ميزة فيه. 

وكانت نصيحة صديقه له بالذهاب إلى المقابلة ولو متأخراً في محلها، فالذي لم يره "نحس" في خلفية القصة أن جميع المقابلات تأجلت في ذلك اليوم مدة ساعتين، بسبب ظروف طارئة حالت دون إجراء المقابلات مع الأشخاص في مواعيدها، وأن أمين سر لجنة المقابلات لم يقرر تنحية ملفه جانباً إلى بعد أن عاد "نحس" إلى البيت وقطع مشواراً طويلاً في النوم.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01