search
إصدارات
ارتباطات
القرد بيكاسو والقارئ المسكين
14/12/2013

حصلت هذه الواقعة سنة 2003 لكنني لا زلت أذكرها كأنها حدثت بالأمس، وبطلها صحفي مصري يدعى "صلاح محفوظ"، كان يعمل في مجلة "الصدى" الإماراتية، عرض لوحة من الفن التجريدي (فن يصوّر أشكالاً متجردة بعيدة عن مشابهة المشخصات والمرئيات في صورتها الطبيعية والواقعية) تحمل اسم "أميركا والعالم" على ثلاثة نقّاد وصحفية ورسامة تشكيلية وطبيب نفسي، طالباً انطباعاتهم عنها، بعد أن همس في آذانهم أنها بريشة ثري عربي، وأنه وضع مكافأة مالية لمن يكتب عنها.

بعد أن أدلى الجميع بآرائهم، نشرت المجلة الموضوع على صفحات عدة، وكانت الصفحات الأولى تحوي آراء أولئك الرهط، بينما تُركت المفاجأة للصفحة الأخيرة.

وتخيل معي الآن أنك أمام تلك المجلة تحاول اختبار ثقافتك، فالكثير منا قد يقرأ كلاماً طويلاً عريضاً ولا يفهم معناه، رغم أننا نفهم معنى كل كلمة بمفردها، لكننا لا نفهم كيف وُضعت تلك الكلمات في عبارة واحدة. وغالباً ما نرفع راية الاستسلام ونطوي الصفحة ونحن نهز رؤوسنا لأننا اكتشفنا أننا لسنا مثقفين كما كنا نظن، وأن بيننا وبين استيعاب الكلمات "القوية" مسافة مليار سنة ضوئية.

نبدأ مع الناقد الأول الذي قال: "للوهلة الأولى لا يستطيع المرء إلا أن يقف مكتوياً بحرائق اللون وبراءة اندفاعاته أمام تجربة تشكيلية جديدة ومتمردة وباذخة في رؤياها. لوحة الفنان (...) تأخذنا إلى تخوم التجربة المطلقة إن صح التعبير. وهذا بحد ذاته يتطلب من قارئ اللوحة أن يتسلح بذائقة مختلفة، تبتعد بمسافة غير محسوبة عن أنماط المتلقي التقليدي الذي يبني على حسابات الكتل والمساحات وقوانين التشريح وكيمياء الألوان".

وأعتقد أنك كقارئ عادي لم تستوعب ما قاله الناقد الهُمام، خصوصاً أنك لا تحمل بندقية محشوة بذائقة مختلفة تبعدك بمسافة غير محسوبة عن أنماط المتلقي التقليدي العادي الذي لا يفهم شيئاً. لكن ربما تبدأ بالاستيعاب مع الناقد الثاني الذي وصف اللوحة قائلاً: "هي بمثابة إدانة ضوئية متوهجة عبر لوحة تجريدية ذات وجه فلسفي عميق يحرص على تكريس قيمة مقاومة هذا التوحش الحضاري المتكرر فقط على القوة والافتراس. هكذا تبدو أميركا بوصفها حضارة مادية مبنية على قوة مفرغة من المبادئ الإنسانية، وذلك هو سر الدماء الحمراء".

فهمت الآن عزيزي القارئ أم ما زلت تشعر بأن ثقافتك "أي كلام"؟! فاللوحة تقاوم القوة الأميركية المفرغة من المبادئ، تلك المبادئ التي يتحلى بها هذا الناقد الشريف.

وجاء الناقد الثالث ليضع النقاط على الحروف، فقال بلا وجل: "يكتشف الناقد جرأته واقتحامه لعالم الألوان دون خوف أو خجل، والحق أن القاموس اللوني عنده يتميز بطزاجة نادرة. فالأزرق الحالم يدخل في حوار هين وسلس مع الأخضر المستكين، ليقتحم فجأة الأحمر الدموي بصخبه اللانهائي.. لا جدال بأن الفنان آثر أن يهجر المكرر والرتيب في الحركة التشكيلية العربية من أجل إقامة حوار لوني عفوي يستند إلى أحكام البناء وتجانس الدرجات اللونية".

والله إنني أرثي لحال ثقافتك، فلا شك أنك أخذت تفكر في أحكام البناء واشتراطات البلدية. عموماً، قد تفهم هذه الأشياء حين تكبر، فكلام النقاد الفنيين يدق فهمه على من لا يعرفون معنى القاموس اللوني، لذلك حاول أن تفهم ما تقوله الأخت الصحفية، وبمنتهى الأمانة المهنية كما يقال في هذه المناسبات: "بمجرد رؤية اللوحة تترك الألوان عند قارئها انطباعاً بأن الرسام استطاع خلق تكوين لوني جمالي، وهذا ما يبدو من خلطه للألوان التي تدل على أن اليد التي رسمتها أو أنتجتها خبيرة في التكوينات الجمالية..". لكن يبدو أنك ما زلت مصراً على عدم الفهم، وربما مضيت بعيداً تفكر في مسألة خلط الألوان واليد التي ستمنح الدولارات لمن يدلي برأي إيجابي في تلك التكوينات؟

حسناً، كانت هذه آراء من خارج "الكار"، ولنستمع إلى رأي فنانة تشكيلية، فربما استطاعت إيصال معنى اللوحة بطريقة أفضل: "تجربة الفنان (...) تطرح جدلاً خاصاً وتحاول إدراك الحلم بنكهة خاصة به بعيداً عما هو مألوف وزخرفي، ويبدو وكأنه يبحث عما هو أعمق من حدود المعرفة المتاحة لنا..". الآن تستطيع أن تضع بطيخة ثقافية في بطنك، فحتى الفنانة لم تستطع أن تستوعب جماليات لوحة زميلها الفنان الثري غير المألوف وغير الزخرفي، لأنه يبحث عما هو أعمق منا ومن معارفنا.

والفقرة التالية قد ترفع معنوياتك أكثر، وقد لا تعود تفكر بضحالة ثقافتك، فالطبيب النفسي الذي عرض عليه الصحفي اللوحة، شكّك في القدرات العقلية للفنان ولله الحمد، وكلام الحكيم هو الفيصل بين الحق والباطل، ولنستمع إليه: "تشير طريقة رسمه للوحة إلى أنه رسمها على مرحلتين، الأولى كان يمر فيها بمرحلة قلاقل نفسية، وهذا بدأ من التوتر اللوني الذي يعبر عنه بوضوح في الجانب الأيسر من اللوحة، أما الجانب الأيمن من اللوحة فقد رسمه وهو في حالة نفسية مستقرة، حيث تميزت الألوان بالدفء والتناغم، لكن المثير في هذا الفنان أنه يعاني من أعراض فصام عقلي في بداياته أصيب به من كثرة قراءاته واطلاعه على تجارب الآخرين".

أنا أعرف أنك أسأت الظن وربما اعتقدت بأن هذا الطبيب يحاول استدراج الفنان الثري إلى عيادته ثم "الاشتغال" عليه، بدلاً من الاكتفاء بإعطاء تقييم للوحته ثم أخذ بعض الدريهمات عنها. إن كنت قد فكرت بتلك الطريقة، فهذا ديدن الضعفاء، يشككون في قدرات الأقوياء بدلاً من يشتغلوا على أنفسهم.  

وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى الصفحة قبل الأخيرة، وكما هو واضح، فإن آراء الجميع كانت إيجابية في لوحة الفنان الثري، ولولا الحياء لقالوا إنها بريشة بيكاسو. وأنت أيها القارئ العادي لم تفهم شيئاً، وهذا من حسن حظك. ففي الصفحة الأخيرة من الموضوع كانت المفاجأة، إذ اتضح أن الفنان العبقري لم يكن سوى قرد استعان به الصحفي ووضع أمامه ألواناً مائية وفرشاة ألوان وورق لوحات، وأخذ يلتقط له صوراً وهو "يخربش" على الورقة، وهي نفسها الورقة التي عرضها على أولئك الذين لم تفهم شيئاً مما قالوه. 

وأنت حين لم تفهم معنى أن يكون الفنان مسكوناً بالحرية الفائقة، ورافضاً للحضارة الأميركية المفرغة من المبادئ، وخبيراً في التكوينات الجمالية، وبعيداً عما هو مألوف وزخرفي، وصاحب قاموس لوني متميز بطزاجة نادرة، ويعاني أعراض فصام عقلي، فهذا لأنك إنسان تنحصر ثقافتك في فهم وتذوق إبداعات بني جنسك، أما ما تصنعه القرود، فهو من اختصاص علماء الحيوان. 

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01