search
إصدارات
ارتباطات
العالم يقف ضد صديقي
5/10/2013

كان أحد الأولاد يعترض على أي قرار في غير صالح فريقه يصدره حكم مباريات "الفرجان"، وكانت اعتراضاته الكثيرة تتسبّب في تغيير الحكم المرة تلو الأخرى، لدرجة أن استبدال الحكّام كان يحدث أكثر من استبدال اللاعبين في المباريات التي كان فريقه فيها متأخراً.

وفي إحدى المرات احتسب الحكم في اللحظة الأخيرة ضربة جزاء لصالح فريقهم، معلناً بأن المباراة ستنتهي بمجرد تنفيذ الركلة، فتقدم هو لتسديدها، وسددها بقوة لكن الكرة ارتطمت بعارضة المرمى وخرجت من الملعب وسط تذمر أعضاء فريقه.

وكما وعد الحكم، فقد أعلن عن نهاية المباراة وخسر فريقه، فما كان منه إلا أن أخذ يخبط قدميه في الرمال وهو يبكي: غش.. والله غش، بينما نحن نحاول إقناعه بأن العارضة مثبتة في الأرض ولا تسير على عجلات، وأن الكرة انطلقت من قدمه مباشرة، ولم يحدث أي شيء غير مألوف أثناء ذلك، لكن محاولاتنا فشلت وخرج من الملعب وهو يسب ويلعن العالم بأسره.

وفي مباراة أخرى، انفرد بالمرمى الخالي لكنه طوّح بالكرة خارج الملعب، واستبق صيحات الاستهجان بأن وقع على الأرض وأخذ يسدد لكمات إليها، ويقول إن أرضية الملعب غير مستوية، وأن كومة الرمال هي السبب في تضييع فرصة تسجيل هدف محقق.

كنت في ذلك الوقت أعتقد أن صاحبنا يتظاهر بدور المظلوم ليكسب بعض التعاطف، أو ليلقي باللوم على الآخرين، وعلى الأشياء، وأنه في قرارة نفسه يعلم بأن الحكم محايد، وأن العارضة لا يمكن أن تعمل لصالح الفريق الآخر، وأن كومة الرمال تقف على مسافة تأثير متساوية من الجميع، لكنني اليوم أعرف أنه كان صادقاً في تصرفاته، وأنه كان على يقين بأن ثمة مؤامرة.

هل قلت "مؤامرة"؟ نعم، هذا هو الوصف الصحيح لشعور ذلك الصبي، لكنه كان يجهل وجود هذه الكلمة، فكان يعبّر عنها بكلمة "غش".

وعرفت أن المسكين لم يكن يتظاهر أو يمثل حين رأيت ملايين الأشخاص في العالم يعتقدون مثله، وأحياناً يسيطر هذا الشعور على شعب بأسره، أو أمة كاملة، فيعتقدون بأنهم يعيشون داخل دوامة كبيرة من المؤامرة، وأن خروجهم منها مستحيل بسبب وجود مؤامرة تمنع خروجهم منها، يعني مؤامرة داخل مؤامرة.

كبر ذلك الولد ومن حسن حظي أنه أصبح زميلاً لي في العمل، بعد أن انقطعت عني أخباره لسنوات طويلة بسبب انتقالهم إلى "فريج" آخر.

كنت قد نسيت موضوع عارضة الملعب وأنا أستمع إلى حكاياته الغريبة التي تتلخص في أن العالم كله يعمل ضده، فقد تأخّر في الحصول على رخصة قيادة لمدة سنتين بسبب تعمّد القائمين على الفحص "تسقيطه" لأسباب مجهولة. وتدخّل مدير التوظيف وأسكنه في درجة وظيفية أقل من الدرجة التي يستحقها، بسبب اختلاف في وجهات النظر حدث بينهما أثناء المقابلة. وتدخّلت عائلة قريبة من عائلة كان على وشك الزواج من ابنتهم، بسبب وجود خلافات بين تلك العائلة وعائلتهم.

والشرطي اعتبره المخطئ في الحادث لأنه لم يترجل من سيارته ويقف بين يديه مثل التلاميذ كما فعل السائق الآخر. ورسائل البريد لا تصل إلى صندوق بريده بالشكل المعتاد لأنه سبق أن تقدم بشكوى ضد أحد العاملين في البريد. ولا يمكن أن يحدث أي شيء بشكل عفوي، ومن دون قصد الإضرار به، ودائماً هو "صح".

وكان في معظم الأيام يحضر إلى العمل وهو متوتر الأعصاب يسب السائقين الذين ينحرفون على سيارته. وكنت كلما ذكرت له بأنني أسير على الشوارع نفسها تقريباً، ولم يحدث أن انحرف علي أحد، بل أنا الذي انحرفتُ أكثر من مرة على الآخرين، فيقول وهو يضحك: كيف ستعرف السائقين الفاشلين إذا كنت واحداً منهم؟!

وفي أحد الأيام كان هذا الصديق القديم يركب معي في سيارتي أثناء رحلة جبلية، ولأنني أعرف أن صخور الجبال لا تكرهني، وأن شركة الاتصالات لا تعرفني، وأن صانع السيارة ليس من أعدائي، فقد جلست أضحك خلف المقود بعد أن أُوقعت السيارة برعونتي وقلة خبرتي وسط حفرة كبيرة بين الصخور، كانت موجودة قبل ملايين السنين، وقبل أن يخلق الله أجدادي.

وسألته: ما العمل؟ فأنا لا أستطيع الرجوع إلى الخلف لوجود صخور كبيرة، وأخشى التقدم إلى الأمام لوجود عمود خشبي عملاق تعلّق عليه أسلاك الاتصالات؟ فقال: "عادي"، وأن الفسحة الموجودة بين العمود وبين حافة الحفرة كافية لمرور دبابة، وطلب مني أن أنزل وأراقبه، لعلّي أتعلم شيئاً مفيداً في حياتي.

وفعلاً، وقفت في الخارج وأنا أراقبه بنظرات الامتنان وهو يؤرجح السيارة إلى الأمام والخلف، ثم ينطلق بأقصى سرعة إلى الأمام ويصطدم بالعمود الخشبي.

في طريق العودة كان ما يزال يلوم العمود الذي تسبّب في تهشيم مقدمة السيارة، وبين الحين والآخر يلومني أيضاً، وأنا أستمع إليه وأتذكر كل المؤامرات التي تعرض لها في حياته، ابتداءً بمؤامرة العارضة التي تحركت من مكانها ووثبت أمام الكرة التي سددها، وانتهاءً بمؤامرة العمود اللعين الذي تحرك في اللحظة الأخيرة وسد الطريق أمامه بقصد إتلاف سيارتي، وذلك بسبب وجود خلافات سابقة بين العمود وسيارتي.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01