search
إصدارات
ارتباطات
العناد الزوجي والباب المفتوح
29/3/2014

كان الدكتور أوربينو متجهاً إلى الحمام تاركاً زوجته على السرير نصف نائمة، حين كلّم نفسه بصوت مسموع: منذ أسبوع وأنا أستحم من دون صابون. فتذكرت هي أنها لاحظت عدم وجود الصابون منذ ثلاثة أيام، ومع هذا، فقد شعرت بأنه يبالغ، فصرخت في وجهه: كنتُ أستحم كل هذه الأيام وكان الصابون دوماً في مكانه.

ولأنه كان على يقين بأنها تكذب، رغم أنه كذب هو الآخر في عدد الأيام، فقد راح ينام في عيادته ولا يعود إلى البيت إلا لاستبدال ملابسه. ومرت الأيام هكذا، هو ينتظر اعترافها بعدم وجود الصابون، وهي تنتظر اعترافه بأنه كذب متعمداً زيادة عدد الأيام ليشعرها بذنب أكبر.

وكانت هذه القطيعة "الصابونية" فرصة ليتذكر كل طرف عيوب الآخر، حتى اكتشفا أن سنوات عمرهما تضيع في رعاية الأحقاد، لدرجة أنه اقترح عليها الاعتراف أمام الكنيسة ليحكم الرب فيما بينهما: إن كان هناك صابون في الحمام أم لا؟!

أما هي، فقد هددته بالانتقال للعيش في بيت والدها، فقرر أخيراً العودة، مع عدم الرضوخ لرأيها في مسألة الصابون. وهكذا عاشا في حجرتين منفصلتين لا يكلمان بعضهما بعضاً نحو ثلاثين سنة، مستخدمين ابنهما كطرف ثالث على المائدة لتناول الأطباق.

وفي أحد الأيام، وبينما كان في انتظار دوره في استخدام الحمام، إذ لم يكن هناك حمام في حجرته، استلقى على فراش الزوجية حتى غلبه النعاس، وجاءت زوجته وأيقظته ليذهب إلى حجرته، لكنه استسلم للنوم وهو يقول: دعيني هنا، نعم كان هناك صابون.

وأعتقد أن غابرييل ماركيز لم يخترع هذه الحكاية في رائعته "الحب في زمن الكوليرا"، فقد سمعت حكاية عناد بين زوجين يصبح معها الدكتور أوربينو وزوجته في قمة التفاهم الزوجي. 

والحكاية أن زوجة كانت تلح على زوجها ليشتري لها سيارة تقضي فيها مشاوير البيت، وفي كل مرة كان زوجها يردد حكمته الغريبة في الحياة: كلما طلب مني مدخّن ولاعة يولع بها سيجارته، قلت له: الذي علّمك التدخين، لِم لَم يشترِ لك ولاعة؟!

وفي أحد الأيام عاد الزوج بسيارة جديدة وأوقفها بهدوء في الفناء ودخل إلى الفيلا. وحين رأى زوجته كانت تتحدث في الهاتف مع والدتها، وكلما حاول مقاطعتها، صدّته بحركة استفزازية من يدها. فجلس إلى جانبها وأشعل سيجارته، وما أن انتهت حتى وضع مفتاح السيارة في حجرها وقال لها إنه يناقض نفسه هذه المرة: فوالدكِ ساعدكِ على استخراج رخصة قيادة حين كنتِ في بيته، لكنه لم يشترِ لكِ سيارة، بل أنا الذي اشتريت.

وفوجئ الزوج بزوجته وهي تطرح المفتاح جانباً وتبدأ في البكاء قائلة إنها كانت تتوقع منه أن يفتح لها باب السيارة ويدعوها للصعود إليها، لا أن يمنّ عليها ويسب أهلها. ولأن الزوج كان يتوقع منها أن تقبله على رأسه لأنه اشترى لها السيارة، بينما هو الآن مضطر إلى الاعتذار لها رغم أنه دفع مئات الآلاف من الدراهم، فقد أخذ يدافع بهدوء عن حكمة السيجارة والولاعة ويقول إنها مسألة منطقية وليست سباباً. وهكذا بقيا يتجادلان حتى أقسمت الزوجة بأنها لن تركب سيارة "المنّ والأذى" أبداً.  

وبعد أكثر من أسبوعين، وكانت السيارة ما تزال قابعة في مكانها، قرر الزوج إنهاء هذه المشكلة بعد أن أقنع نفسه بأنه عاقل وأكبر من أن يعاند امرأة. فخرج إلى الفناء وفتح باب السيارة ثم عاد إلى الداخل وقال ملاطفاً زوجته إن السيارة تنتظرها، وأنه فتح لها الباب كما أرادت.

لكنه فوجئ بزوجته تصرّ على موقفها، وتدعو بطول العمر لوالدها الذي لم يبخل عليها قط. فما كان منه إلا أن أمطرها بوابل من الشتائم، وكانت الطلقة الأخيرة موجهة إلى والدها مباشرة، فقد لعنه هذه المرة لأنه علّمها على القيادة لكنه لم يشتر لها سيارة.

وإلى هنا يمكن القول إن عناد هذين الزوجين في مستوى واحد مع عناد الدكتور أوربينو وزوجته، لكن الذي حصل بعد ذلك أن باب السيارة ظل مفتوحاً لنحو سنة لم يتكلم فيها الزوجان إلا في الأمور الحياتية الضرورية، فهو كان يعتقد أن مبادرته إلى الصلح (فتح الباب) ما تزال معروضة أمام هذه الزوجة الحمقاء العنيدة، وهي كانت تعتقد أن تراجعها عن موقفها سيجعل هذا الزوج الأحمق العنيد يتمادى ويذكرها بحكمة السيجارة والولاعة في كل مناسبة.

والغريب أنه كان يتسلل خارجاً إلى الفناء ليلاً ويغلق باب السيارة خوفاً من أن تتخذها القطط مسكناً، ثم يخرج مسرعاً في الصباح ويفتح باب السيارة من جديد قبل أن يذهب إلى عمله بسيارته، وكانت هي تنتظره إلى أن يخرج، لتغلق باب السيارة، ثم تفتحه قبل عودته عصراً.   


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01