search
إصدارات
ارتباطات
لا تكن أميناً في العمل
5/4/2014

كنت في الأيام الخوالي أعمل رئيساً لأحد الأقسام في مؤسسة حكومية، وكان أحد الزملاء أميناً لدرجة أنني كنت أطالبه بأن يتخلى عن أمانته ويبدد الأموال المستحقة للمؤسسة، أو يأخذ من العملاء أكثر مما هو  مطلوب منهم.

وكان نصف المشكلة يتعلق بنظام رسوم تصوير الأوراق، إذ كان يحدد مبلغ 25 فلساً لتصوير كل ورقة، فإذا جاء عميل، وكان الملف الذي يرغب في تصويره مكوّناً من 45 ورقة مثلاً، فإن رسوم التصوير تكون 11 درهماً و25 فلساً، بالضبط.

وكان النصف الثاني من المشكلة يتعلق بالشخص الذي يطبق نظام الرسوم، وكان ذلك الزميل الأمين هو المكلّف باحتساب قيمة رسوم التصوير، وكان في أغلب الحالات يحرر إيصالات دفع بمبالغ فيها أنصاف وأرباع الدراهم، بدقة شديدة وأمانة لا مثيل لها.

ولأنه كان يتوقع أن العميل سيعود إليه بعد قليل غاضباً، فإنه كان يستبق الأحداث ويبرر احتسابه كسور الدراهم بالأمانة، وبأننا محاسبون غداً أمام الله على كل فلس، ويقول للعميل بأنه لن يصادف في حياته موظفاً دقيقاً في عمله مثله، وكان العميل يشكره بطبيعة الحال.

وكان العميل يأخذ الإيصال ليسدد المبلغ وهو يدعو الله أن يكثّر من أمثال ذلك الموظف الأمين، وحين يسلّم الإيصال لأمين الصندوق، الذي كان بدوره دقيقاً جداً وأميناً بطريقة استثنائية، فإنه يفاجأ به وهو يطلب منه أن يدفع المبلغ بالكامل، مثلاً 120 درهماً و25 فلساً، كما هو مدوّن في الإيصال.

ولأن أغلب الناس لا يحملون معهم غالباً فئة 25 فلساً المعدنية، فإن العميل كان أمام خيارين: إما سداد مبلغ 121 درهماً، وهو الأمر الذي كان يرفضه أمين الصندوق بحجة أنه لا يحوز على 75 فلساً الباقية. فإذا ضحك العميل وقال إن الباقي صدقة جارية مثلاً، فإن أمين الصندوق يكشّر عن أنياب الأمانة ويقول له إن المؤسسة ليست بحاجة إلى الصدقات.

وكان الخيار الثاني أمام العميل أن يستمطر شفقة أمين الصندوق ويفتش في جيوبه أمامه ليؤكد له أنه لا يحمل 25 فلساً المطلوبة، فيرد أمين الصندوق وهو يرسل ضحكة باردة: وهل تريد أن أدفع الباقي من جيبي؟! تخيّل حضور عشرة عملاء يومياً وهم لا يحملون الـ 25 فلساً، فهذا يعني أنني سأدفع 900 درهم من جيبي سنوياً، ولأنني باقٍ هنا 20 سنة على الأقل، فهذا يعني 18 ألف درهم.. فهل ترضاها لنفسك؟!

وكانت النتيجة أن أمين الصندوق يرفض إتمام المعاملة، فيثور العميل ويعود إلى القسم وهو يحمل الدنيا فوق رأسه، ويقعد يرفع صوته بالشكوى مطالباً بحضور رئيس القسم بعد أن اكتشف أنه وقع ضحية عناد بين موظفين يدّعيان الأمانة والدقة.

وكنت أهرع من مكتبي البعيد نسبياً إلى داخل القسم، وأعرف أن صاحبنا عاد إلى سيرته القديمة في الأمانة اللا متناهية، فأرسل له نظرة غاضبة تعني أنني سبق أن حذرتك من هذه التصرفات الخرقاء، وأنني في كل مرة كنت أقول لك لا تحاسب الناس بكسور الدراهم، ولتكن مسؤولية الفلوس الناقصة أو الزائدة في رقبتي دنياً وآخرة.

وأنني شرحت له عشرة آلاف مرة أن الالتزام بالأنظمة بدقة لا متناهية أمر مطلوب وضروري في الاستعدادات التي تسبق إرسال صاروخ إلى الفضاء، أو في تصنيع سيارة، أو في إجراء عملية جراحية في أجزاء دقيقة من جسم الإنسان، كبؤبؤ العين، وليس في الفلس والفلسين، خصوصاً إذا كانت النتيجة تعطيل مصالح الناس.  

لكن كان لا بد من ممارسة الاستغفال في تلك اللحظة لئلا يعرف العميل أن هذا ديدن الموظف، فكنت أسأله عن مشكلته، ثم أعتذر له وأحرر إيصالاً جديداً بالمبلغ الذي يرغب في دفعه، حتى لو كانت رسوم التصوير أكثر بخمسين درهماً، وأقول في نفسي: تضييع وقت الناس له ثمن، والتسبّب في حرق أعصابهم أيضاً له ثمن، ولا بد من تعويضهم مادياً وخصم ذلك من إيرادات المؤسسة التي اختارت مثل هذا الموظف المجنون ليحرر الإيصالات، ومعاقبتها لأنها لم تنقله إلى أي جحيم آخر رغم مطالباتي المستمرة بذلك، ومعاقبتها أيضاً لأن أمين الصندوق لا يتبع إدارياً القسم الذي أشرف عليه، ومن ثم لا أستطيع أن أدخل عليه في صندوقه الزجاجي وأسدد له بعض اللكمات بسبب أمانته ودقته.

وحين أسترجع ذكرياتي مع المجانين الذين عملت معهم، حتى أصبحت مجنوناً مثلهم أفرض عقوبات مالية عشوائية على المؤسسة التي أعمل بها، أقول إن أي مؤسسة تمتلك أفضل الاستراتيجيات وأعظم الخطط، مع أحدث التقنيات وأجمل القطط، في أضخم المباني وأرقى المرافق، ويديرها أكثر المديرين همّة ونشاط ودقة ومتابعة، ويعاونه المئات من الموظفين المميزين، لن تحقق النجاح ولن تنال الرضا بوجود ثلة من الموظفين المعاندين والمتعسّفين الذين يتمسّكون بالأنظمة والقرارات والإجراءات والتعليمات بشكل حرفي وبدقة لا متناهية، بغرض إفساد كل شيء.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01