search
إصدارات
ارتباطات
نصف الحقيقة القطرية
3/4/2014

كتب مدير تحرير صحيفة "العرب" القطرية تغريدة في "تويتر" متباهياً فيها بقوة قناة "الجزيرة" رغم صغر مبناها، فقال إن حسني مبارك حين زار القناة علّق قائلاً: "كل ده من علبة الكبريت دي؟!"، لكن الإعلامي المذكور لم يعرف كيف يرد حين سأله أحد المغردين: وماذا قال شمعون بيريز حين زار مكاتب القناة في الدوحة؟!

ولا يمثل العاملون في الصحف حكومات دولهم، ولا يمكن اعتبار تغريداتهم أو حتى مقالاتهم تعبيراً عن وجهة النظر الرسمية لدولهم، لكن تغريدة المباهاة تلك، والجواب الذي لم نعرفه عن السؤال الذي وُجه إلى ذلك الإعلامي، تلخص السياسة القطرية خلال السنوات الأخيرة، وهي ذكر نصف الحقيقة فقط، فنحن عرفنا من ذلك الصحفي رأي مبارك في علبة الكبريت، لكننا لم نعرف رأي المسؤول الإسرائيلي في "الجزيرة"؟

وجاءت تصريحات وزير الخارجية القطري في أعقاب سحب معظم دول الخليج العربية سفراءها من الدوحة، لتؤكد سياسة أنصاف الحقائق، فقد ذكر الوزير مثلاً أن استقلال سياسة بلاده الخارجية ببساطة مسألة غير قابلة للتفاوض، وأن سحب السفراء لا علاقة له بالأمن الداخلي لدول مجلس التعاون الخليجي، وإنما بسبب تباين في الآراء بشأن مسائل دولية.

لكن نصف الحقيقة الآخر أن الدوحة كانت إلى ما قبل ثورات "الربيع العربي"، أقرب إلى المحور الذي كان يُسمي نفسه محور "الممانعة"، والذي كان يضم سوريا وإيران والجماعات المرتبطة بهما في لبنان وفلسطين، منها إلى بقية الدول الخليجية والعربية، خصوصاً السعودية والإمارات والبحرين ومصر والأردن، وكان التباين في الآراء بين ذلك المحور الأقرب إلى قطر، وبين السعودية والإمارات والبحرين، كبيراً في قضايا إقليمية عديدة.

ومع هذا، لم تكن مسألة سحب السفراء واردة آنذاك، ولم تخطر على بال أحد، رغم أن محور "الممانعة" المزعومة لم يكن مجرد فكرة معلقة في الهواء كقوس قزح، بل كان محوراً يعمل على الأرض مضراً بأمن العديد من الدول العربية، ولم تبتعد عنه الدوحة إلا بعد ركوب "الإخوان" موجة "الربيع العربي" وتشكّل محور "إخواني" يسعى للسُلطة في كل مكان.. إلا في الدوحة بطبيعة الحال.  

وهذا كله يعني أن استقلال سياسة قطر الخارجية فعلاً مسألة غير قابلة للتفاوض، لكن سحب السفراء، ببساطة، لا علاقة له باستقلال السياسة الخارجية لقطر، وإنما برفض الدوحة التوقيع على آلية لتنفيذ اتفاق كان قد وقعه الأمير القطري الجديد بشأن قضايا تمسّ مباشرة بالأمن الداخلي لدول مجلس التعاون الخليجي. 

وتجلت سياسة نصف الحقيقة في كلام الوزير القطري أيضاً عند قوله إن بلاده "اختارت ألا تبقى على هامش التاريخ"، فنصف الحقيقة هو أن الدوحة بدأت فعلاً منذ أكثر من عقد ممارسة أدوار إقليمية وعربية، وكان لها حضور على أكثر من مسرح إقليمي ودولي، لكن أحداً لم ينازع قطر على حقها في ألا تبقى على هامش التاريخ، بل سيكون مدعاة فخر لنا جميعاً أن تصبح إحدى دول خليجنا العربي صانعة للتاريخ.

وهو ما يؤكد من جديد أن تدهور العلاقات بين الرياض وأبوظبي والمنامة وبين الدوحة، لا علاقة له بالحلم القطري بالدخول في التاريخ، وإذا كانت ثمة علاقة، فإنها تتجلى في صدمة الدول الثلاث بالشقيق الذي يحاول أن يحقق حلمه على حساب أمن واستقرار أشقائه.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01