search
إصدارات
ارتباطات
"تويتر" كشفنا
20/4/2014

ما يُقال ويحدث في "تويتر" يمثل المنطقة الوسطى من جوانبنا الفكرية والإنسانية والاجتماعية والأخلاقية، ما بين ما يُقال في الصحف وما بين ما يُقال في المجالس الخاصة، فـ"تويتر" من هذه الناحية، لا هو صحيفة مسؤولة تراعي المواثيق والأعراف، لا تنشر إلا الكلام المنمّق والمحسوب والذي مرّ عبر أنابيب الرقابة الداخلية والرقابة الصحفية، ولا هو مجلس خاص لا يبالي فيه المرء وهو يلقي الكلام يميناً وشمالاً، فحتى المغرد المستتر خلف اسم مستعار، يمكن أن تطاله يد العدالة، إضافة إلى ما قد تسبّبه علانية القول من حرج اجتماعي.

ومثلما هناك معيار في القانون المدني يسمى "معيار الرجل العادي"، ويعني الشخص المعتاد المتوسط بين خارق الذكاء والغبي، فهناك المغرد العادي، وهو المتوسط بين الذي يحسب ألف حساب لكل كلمة يكتبها في "تويتر"، وبين من لا يدري ما يقول وهو يرسل التغريدات.   

وما يُقال ويحدث في "تويتر" يمثل فئة يفترض أنها متعلمة وراشدة وبالغة، إذ يصعب على غير المتعلم التعامل مع الإنترنت، كما أن الصغار يفضّلون مواقع أخرى للتواصل مع بعضهم بعضاً، ولو كان لهم وجود في "تويتر"، فإنهم يبقون على هامشه يغردون عن ألعاب الفيديو ويتبادلون فيما بينهم صور المصارعين ولاعبي الكرة.

هذا التحليل المبني على انطباعات شخصية عن موقع "تويتر"، يجعل المرء يصاب بخيبة الأمل في أنفسنا وفي طريقة تفكيرنا وفي ثقافتنا وتعليمنا وأخلاقنا ومعاييرنا، هذا ونحن ما زلنا غير حقيقيين بالكامل في "تويتر"، أعني لسنا في مجالسنا الخاصة.

رجلنا العادي في "تويتر" شيء يدعو للحزن، فهو عنصري، وطائفي، وغير موضوعي، ويتدخل فيما لا يعنيه، ومتشنج سريع الانفعال، وضيق الأفق، ويتكلم بوثوقية لا يحسد عليها، ويقلب أي حوار إلى اشتباك في الألفاظ، فحتى النقاش بشأن حقيقة علمية سرعان ما يتحول إلى جدال فقهي أو سياسي، لينتهي الأمر بالسباب والشتائم. ولا بد أن تضع لرجلنا العادي أيقونات الوجوه الباسمة بعد كل جملة تقصد فيها ملاطفته، لأنه يشك في نفسه فوراً، ويرتاب في الآخرين فوراً، ويعاني فقراً في حس الدعابة وحسن الظن.

ورجلنا العادي يختار لنفسه صورة لرمز ديني كالكعبة المشرفة، ويعرّف عن نفسه بعبارات توحي بأنه شيخ الإسلام، لكن ألفاظه سوقية وعباراته بذيئة، ولا يتحرج من الإساءة إلى سمعة الآخرين والطعن في أعراضهم وفي ذممهم. ورجلنا العادي في "تويتر" يقلب الغاية منه، وهي التواصل الاجتماعي، إلى منصّة للأدعية يطلقها نيابة عنه برنامج آلي، في اعتقاد منه أن عدّاد حسناته سيبقى "شغّالاً" حتى بعد موته، وسيظل هكذا إلى أن يندثر "تويتر" أو يفنى الإنترنت من الوجود.

ورجلنا العادي يتابع شخصاً، لا اقتناعاً بما يقول، ولا للاستفادة من كلامه، وإنما من باب المقايضة: سأتابعك على أن تتابعني، فإن لم يتابعه بعد مرور 24 ساعة على متابعته له، يلغي المتابعة، أو تجده يتابع مئات الأشخاص في كل يوم، وإذا حصل على مبتغاه وردّ هؤلاء المتابعة بالمثل، فإنه ينسلّ من بينهم واحداً بعد الآخر، ولو جاءته الفرصة لشراء متابعين وهميين أو الذين يطلق عليهم لقب "البيض"، فإنه لا يتردد في شراء البيض، ليوهم الآخرين (الذين لا وجود لهم) بأنه شخص مهم ومحوري له متابعين كُثر.

رجلنا العادي وضعنا باختصار أمام حقيقتنا، وربما كان اكتشاف أنفسنا أفضل شيء حصل لنا بسبب "تويتر".  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01