search
إصدارات
ارتباطات
الإنسان يتغير.. الحجر لا يتغير
26/6/2014

في سنة 1975 تعرضت فتاة أميركية صغيرة لحادثة اغتصاب، واستطاعت محامية شابة إقناع المحكمة بإصدار أحكام مخففة على الجناة. أصبحت تلك المحامية فيما بعد مرشحة للرئاسة في أميركا، ثم رضيت بمنصب وزيرة الخارجية، وتقود اليوم الحملات من أجل حقوق المرأة.

وقبل أيام نشرت إحدى الصحف الأميركية مقابلة مع الضحية التي تبلغ الآن 52 عاماً، قالت فيها إن هيلاري كلينتون كذبت في وثائق المحكمة وشوّهت أدلة الجريمة، وأنها إذا التقت كلينتون اليوم فستطلب منها توضيحاً بشأن النفاق والتصنّع الذي تمارسه بشأن حقوق المرأة، بينما فعلت عكس ذلك قبل نحو 40 سنة!

وقد تكون كلينتون فعلاً غير مؤمنة بحقوق المرأة، وتستخدم هذا الملف من أجل مصالح سياسية وأمجاد شخصية، وقد لا تكون. وقد تكون مؤمنة اليوم بأن المرأة لم تحصل على كامل حقوقها في أميركا، بعد أن رأت بنفسها كيف يمكن الانتقاص من حقوقها عبر القوانين، بل كانت هي بنفسها من المتلاعبين بحقوق المرأة، وقد لا تكون. وقد تكون نادمة على بعض تصرفاتها أثناء العمل كمحامية، وترغب في التكفير عن ذنوبها بالدفاع عن حقوق المرأة، وقد لا تكون.

القضية ليست في كلينتون وإنما في هذا الاعتقاد الخاطئ بأن الإنسان نوع من أنواع الحجارة، لا يتغير ولا يتبدل، بينما الحقيقة التي نلمسها جميعاً، في أنفسنا في المقام الأول، أننا كائنات متغيرة، للأفضل أو للأسوأ، وأن هذا التغيير قد يحدث في لحظة واحدة، من حيث لا نشعر ولا نتوقع، وإلا ما الفرق بيننا وبين الأحجار والأشجار؟!

الإيمان بأن الإنسان كائن متغير يجعلنا نفهم الأمور بشكل أفضل، فحين يأتي أحدهم بحادثة من الماضي تفضح تآمر إحدى الشخصيات التاريخية، فيأتي شخص آخر بحادثة وقعت للشخصية التاريخية نفسها تظهر إخلاصه، فإنهما يمسكان بخناق بعضهما بعضاً، كأنّ الذي تآمر مرة لا يمكن أن يُخلص أبداً، وكأن الذي أخلص مرة لا يمكن أن يتآمر أبداً، وكأننا لا نرى بأعيننا أشخاصاً تقدموا إلى الأفضل، وأشخاصاً انتكسوا.   

وتجاهل هذه الحقيقة ربما كان السبب وراء التشكيك في تورّط بعض الأفراد في بعض الأمور، لأن أولئك الأفراد كانوا قد أحسنوا صنعاً في فترة من فترات حياتهم، وتميزوا في مجالاتهم، لذلك يعتقد هذا المتجاهل، أن الذي أحسن صنعاً مرة لا يمكن أن يسيء التصرف أبداً!

ولو كان بعض الحانقين على تكريم بعض الشخصيات التي كانت لها مواقف غير متوقعة من أحداث "الربيع العربي" يضعون مسألة تغير الإنسان وتبدّله في اعتبارهم، لما نقموا على تكريم تلك الشخصيات قبل سنوات طويلة من "الربيع"، فلا أحد يعلم الغيب، ولا ما تخفي الصدور.

ويقال إن إحدى أسباب تجاهل بعض المبدعين والالتفات إليهم في اليوم التالي لوفاتهم، هو الخشية من تغيير هؤلاء المبدعين مواقفهم في حال حياتهم، رغم أن التكريم يغطي الفترة ما بين لحظة صعود المبدع المنصة وبين ما أنتجه قبل ذلك واستحق عليه التكريم، أما ما قد يحدث في عقله بعد نزوله من المنصة، فلا أحد يعرفه حتى المبدع نفسه، ما دام إنساناً.   


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01