search
إصدارات
ارتباطات
"الخوارج" والمشايخ
7/8/2014

بعد حيلة رفع المصاحف على أسنّة الرماح في صفين، وتوقف القتال بين جيش العراق بقيادة خليفة المسلمين علي بن أبي طالب، وجيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان، وانتهاء الأمر بالتحكيم، طلب 12 ألف مقاتل من جيش العراق من قائدهم رفض نتائج التحكيم والعودة لقتال جيش الشام، وهو الأمر الذي أباه الإمام علي، فكفّروه وانشقوا عنه وظهرت فرقة "الخوارج".

ومن المعروف أن أغلب "الخوارج" كانوا من القرّاء، أي حفظة القرآن، وكان بعضهم قد رأى صاحب الرسالة واستمع إليه. وإذا كانت معركة صفين قد وقعت سنة 37 هجرية، فيمكن القول إنه إضافة إلى القرّاء، فإن الكثير من هؤلاء "الخوارج" كانوا قد وُلدوا من أبوين مسلمين، باعتبار أن الشباب يشكّلون الغالبية في الجيوش.

ولم يطعن أحد من الصحابة الذين عاصروا ظهور "الخوارج" في تديّن هذه الجماعة، لكنه كان تديناً فارغاً من الحكمة والعقل والبصيرة وبُعد النظر، ومخلوطاً بالغلو والتنطع والتهور والاندفاع وضيق الأفق، وإلا لما فعلوا ما فعلوه، ولما أخبر النبي عليه السلام بأنهم "يرمقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".

كما لم يشكك أحد في نوايا هذه الجماعة، فلم يكونوا طلّاب سلطة ولا باحثين عن أمجاد أو غنائم، بل إنهم وصفوا أنفسهم بـ "الشراة"، اعتقاداً منهم أنهم إنما يبيعون أنفسهم لله، بالقتال في سبيله، وقال عنهم الإمام علي بأنهم "طلبوا الحق فأخطؤوه". كما يسمون أنفسهم بـ«الشراة» إذ كانوا يعتقدون أنهم باعوا أنفسهم لله للقتال في سبيله.

كل هذه المعطيات تثبت أنها لا تحصّن من يتحلى بها ولا تمنعه من السقوط في أودية الجهل والغي، أعني النوايا الصادقة، والنشوء في بيوت متدينة، وحفظ القرآن من أوله إلى آخره، والتدين الشديد الذي يصل إلى درجة يقول عنه النبي عليه السلام لأصحابه (وهم الرعيل الإسلامي الأول) إنهم (أي الصحابة) يحقِّرون صلاتهم وصيامهم مع صلاة وصيام "الخوارج".

وأكثر المخدوعين ببعض مشايخ الدين، وببعض الجماعات الدينية، ينظرون إلى تديّنهم، وربما حفظهم القرآن والأحاديث، كما يلمسون صدق دموعهم، ونُبل مقاصدهم، هذا في حال كانوا كذلك فعلاً، ومن ثم يتصوّرون أن خصوم هؤلاء إنما يعادون الدين وأهله، ولا يخطر ببالهم أن الآلاف الذين كانوا نواة "الخوارج"، كانوا أكثر تديناً وصدقاً من هؤلاء المشايخ والجماعات، بل كانوا أقرب إلى فجر الإسلام، وكان بعضهم قد التقى بصاحب الرسالة نفسه.

وأرجو ألا يُفهم هذا الكلام بأنني أُلحق هؤلاء المشايخ والجماعات بـ"الخوارج"، فليست هذه هي القضية، وإنما في أن التديّن وحسن النيّة لا يصلحان دليلاً على أن صاحبها عاقل بصير بالأمور، وحكيم سديد الرأي، وليس دليلاً على أن خصوم هؤلاء معادون للإسلام. وأن التديّن وحسن النيّة، من دون بصيرة وعقل، يمكن أن يرتكب صاحبها الكوارث من حيث لا يشعر، ولا يعقل، ولا يدري، ولا يريد، بل إن الكوارث التي يتسبب بها تكون أكثر فظاعة من الذي يتعمد تخريب الأمور لمآرب شخصية، لأنه يغمض عينيه ويندفع في سبيل قضيته.

لن يلام المعجب بتيارات الإسلام السياسي ومشايخها إن كان إعجابه قائماً على أي شيء آخر غير مسألة صدق النية وسمو الغاية وطول اللحية وحفظ القرآن، فقد ثبت من تاريخ "الخوارج" أن هذه المعطيات ليست ميزاناً لمعرفة المحسن من المسيء، والتمييز بين العاقل والأحمق.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01